أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:24 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ما قيمة ثورةٍ لم تُنصف الإنسان؟

    د. جلال حاتم




    يحتفل اليمنيون بذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، التي أنهت حكم الإمامة وأعلنت الجمهورية. لكن الاحتفال، بعد كل ما شهده اليمن، لا يكتمل بترديد الأمجاد. ثمة سؤال يستحق جوابًا صريحًا: ما قيمة ثورة لم تضمن للمواطن عيشًا كريمًا، ولا تعليمًا جيدًا، ولا علاجًا، ولا كهرباء ومياهًا، ولا أمنًا واستقرارًا؟.

    قيمة الثورة أنها كسرت مبدأ احتكار الحكم بحق السلالة، وفتحت الباب لفكرة أن اليمنيين مواطنون متساوون، لا رعايا يولد بعضهم ليحكم ويولد آخرون ليُحكموا. كان ذلك تحولاً عميقاً. لكنه لم يكن وعدًا يتحقق بمجرد إعلان الجمهورية؛ فقد احتاج إلى دولة عادلة ومؤسسات خاضعة للمساءلة كي يظهر أثره في حياة الناس.

    وهنا تقع المسؤولية التي لا يجوز الهروب منها. لقد حكمت باسم الجمهورية قوى وأجيال سياسية عجزت، على مدى عقود، عن بناء دولة تخدم المواطن. أُهدرت فرص التنمية، واتسعت شبكات الفساد والمحسوبية، وضعفت المدرسة والمستشفى، وبقيت الخدمات الأساسية رهينة الصراع وسوء الإدارة. لا يصح أن نحمّل ثورة 1962 وحدها إخفاق من تولوا السلطة بعدها، لكن لا يصح أيضًا أن نجعل اسم الثورة حصانة لهم من المحاسبة.

    ثم جاء سقوط صنعاء في سبتمبر 2014 ليكشف هشاشة ما بُني. فقد أعاد الحوثيون إلى واجهة الحكم منطق الحق الحصري في السلطة، مستندين إلى القوة والسلاح، في تحدٍّ مباشر لمبدأ المواطنة الذي حملته الثورة. وتُطرح كذلك مسألة ارتباطهم بإيران بوصفها جزءاً من صراع النفوذ الإقليمي في اليمن. لكن مواجهة هذا المشروع لا تكفي فيها الشعارات الجمهورية؛ فالناس الذين حُرموا الراتب والخدمة والأمان يحتاجون إلى أن يروا معنى الجمهورية في حياتهم اليومية.

    ما جدوى علم الجمهورية فوق مدرسة بلا معلم، أو مستشفى بلا دواء، أو مدينة تغرق في الظلام؟ هذا السؤال لا ينتقص من الثورة، بل يطالب بالوفاء لها. فالثورة التي ألغت الامتياز الوراثي لا تكتمل إذا نشأت امتيازات جديدة للسلاح والقبيلة والمال والمنصب. والجمهورية التي تعلن مساواة المواطنين تفقد معناها حين يعجز أحدهم عن الحصول على الماء أو العلاج إلا بوساطة.

    لهذا ينبغي أن تكون ذكرى سبتمبر مناسبةً للمساءلة والعمل: كيف تُبنى مؤسسات لا تُختطف؟ كيف تُصان الحقوق بصرف النظر عمّن يحكم؟ وكيف تتحول الموارد العامة إلى تعليم وصحة وكهرباء ومياه وفرص عمل؟ تلك أسئلة الجمهورية الحقيقية.

    كانت ثورة 26 سبتمبر حدثًا مهمًا لأنها فتحت لليمنيين باب الخروج من حكم الإمامة. أما إنجازها الذي ما زال مؤجلاً فهو أن يدخلوا من ذلك الباب إلى دولة كريمة وعادلة. وأصدق احتفاء بالثورة أن نرفض عودة الإمامة، وأن نرفض كذلك أن تبقى الجمهورية اسمًا بلا أثر في حياة الإنسان.

المزيد من مقالات (د. جلال حاتم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال