الخميس, 24 سبتمبر 2026
74
ما جرى في عدن مول لا يُقرأ كخبر عابر عن مسؤول يجلس مع مواطنين في مقهى، بل كبداية لمسار يثبت أن المسؤولية تُقاس بالإصغاء ثم بالفعل. وزير يذهب في مساء عادي بنية إنسانية بحتة للتبرع بالدم في مكان عام، فيجد المختبر مغلقًا، ثم يجد نفسه أمام طلب بسيط وصادق من شباب من ذوي الاحتياجات الخاصة للجلوس والحديث، فيستجيب دون بروتوكول ودون ترتيب.
لم يتوقف المشهد عند الجلوس والاستماع، وهو بحد ذاته قيمة كبيرة في زمن أصبح فيه اللقاء العفوي نادرًا، بل انتقل إلى خطوة عملية. فتأكيد معالي وزير النقل، الأستاذ محسن حيدرة العمري، اليوم اهتمامه بتسهيل إجراءات سفر الأشخاص ذوي الإعاقة والمرضى وجرحى الحرب، هو الدليل على أن ما سمعه في المقهى لم يبقَ مجرد كلمات، بل تحول إلى توجيه وملف عمل.
نحن هنا لا نتحدث عن إنجاز خارق يستدعي التهليل، ولا عن حركة استعراضية يمكن تسفيهها، بل نتحدث عن المنهج السوي لإدارة الدولة. هيبة المنصب لا تسقط بالجلوس على طاولة مقهى، بل تسقط حين يتحول المسؤول إلى صورة لا تسمع ولا ترى. والإصغاء ليس منّة، بل هو واجب الوظيفة العامة.
إن ما قام به الوزير العمري من جلوس واستماع، ثم ذهابه للتبرع بدمه في هيئة مستشفى الجمهورية وتقديم دعم للمستشفى، ثم إعلانه اليوم وضع تسهيلات سفر ذوي الإعاقة والمرضى وجرحى الحرب ضمن أولويات وزارته، لا يضعه فوق النقد ولا يعفيه من المساءلة عن ملفات النقل الثقيلة، فالنقد حق مشروع، لكنه يضعه في خانة المسؤول الذي يملك الحس الإنساني الذي يحمي القرار من العمى ومن عزلة المكاتب.
الدولة التي ننشدها في عدن وفي كل اليمن ليست دولة المنصات والخطابات، بل دولة الميدان، حيث يُسمع صوت الشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة كما يُسمع صوت الخبير، وحيث تتحول ملاحظة بسيطة في مقهى عام إلى قرار يخفف معاناة آلاف المسافرين من الفئات الأكثر احتياجًا للرعاية.
هذه هي القيمة الحقيقية لما جرى: أن يرمم موقف صادق ثقة تآكلت كثيرًا، وأن يثبت أن تسهيل سفر جريح حرب أو شخص من ذوي الإعاقة هو معيار إنساني قبل أن يكون إجراءً إداريًا. ونحن لا نطلب وزراء خارقين، نطلب وزراء أسوياء يعرفون أن الإنسان قبل الإجراء.
وهذا هو معيار احترام الإنسان الذي يجب أن نحتكم إليه جميعًا.