الخميس, 24 سبتمبر 2026
70
ثلاثة تيارات دينية رئيسية، ذات طابع مذهبي أو أيديولوجي، تتقوى اليوم في الشمال وفي الجنوب: أنصار الله، والإخوان المسلمون، والسلفيون، فيما تتضاءل تدريجيًا مساحة القوى الوطنية والأحزاب السياسية التقليدية. وكأن سنوات الحرب لم يكن يكفيها ما خلفته من ضحايا وانهيارات تاريخية، فقررت أن تضيف إلى حصيلتها إعادة تعريف الصراعات بقواميسها الدينية والمذهبية القديمة.
الخوف الحقيقي ليس في استمرار الحرب بصورتها الراهنة فحسب، بل في انتقالها إلى داخل القرى والمدن، حتى تصبح الأحياء خطوط تماس، والشوارع حدودًا بين الهويات. وحينها لن يكون مستبعدًا أن تنزلق المواجهات إلى صراعات ذات صبغة دينية ومذهبية أشد خطرًا وأطول عمرًا.
وما تزال مدن سوريا والعراق وغيرها حاضرة في الذاكرة، بما خلّفته الحروب الطائفية فيها من فواجع وأضرار في النفوس لا يمحوها الدهر. وهي ذاكرة يفترض أنها كافية للعظة، لولا أن منطقتنا تمتلك موهبة استثنائية في إعادة التجارب الكارثية، للتأكد من أنها تأتي بنتائج مختلفة.
خلال سنوات الصراع، تلقى أنصار الله دعمًا خارجيًا أسهم في بناء وتعزيز قدراتهم العسكرية والسياسية، وفي المقابل جرى بناء وتنظيم قوى سلفية تعزز حضورها، وتعددت مسميات تشكيلاتها العسكرية، كما حظيت قوى تابعة لتنظيم الإخوان بدعم كبير مكنها من ترسيخ نفوذ واسع داخل مؤسسات عسكرية وسياسية تابعة للسلطة «المعترف بها». عدا عن تنظيمات أصولية أخرى سجلت حضورها العنيف منذ عقود، وظلت كامنة في تضاريس الصراع، تظهر كلما وجدت الحرب التي تحتاجها.
وهكذا، وبينما كان الجميع يتحدث عن مشاريع سياسية، أصبحت القوى الأكثر تنظيمًا على الأرض هي تلك التي تمتلك سلاحًا وتنظيمًا وعقيدة واضحة. أما الدولة التي يتحدث الجميع باسمها، فقد ظلت، في كثير من الأحيان، فكرة تصلح للخطب والبيانات الرسمية أكثر مما تصلح لوصف ما يجري على الأرض.
وقد يرى البعض أن هذه التشكيلات ليست سوى أدوات مرحلية، يمكن التحالف معها أثناء الحرب، ثم احتواؤها وإعادتها إلى حجمها الطبيعي بعد انتهاء الحاجة إليها وعودة الدولة.
إلا أن هذه الفكرة قد تكون أخطر من الظاهرة نفسها.
فالتاريخ الحديث مزدحم بجماعات بدأت بوصفها أدوات، ثم انتهت قوى مستقلة لها سلاحها وقياداتها ومصالحها ورؤيتها الخاصة للدولة والمجتمع.
تجربة المجاهدين في أفغانستان وما تفرع عنها لاحقًا، وصعود طالبان، وتجارب الميليشيات الطائفية في العراق، فضلًا عن التنظيمات المسلحة التي ظهرت خلال حروب سوريا وليبيا، كلها تذكر بحقيقة بسيطة كثيرًا ما يتجاهلها السياسيون: أن التنظيم العقائدي المسلح لا يشبه موظفًا مؤقتًا يمكن إنهاء عقده عند انتهاء الخدمة.
فالجماعة التي تمنحها اليوم المال والسلاح والنفوذ ومراكز الدعوة والتدريب، قد تجد نفسك غدًا تفاوضها على شروطها، وبعد غد ربما تبحث عن وسيط إقليمي يستطيع التحدث معها نيابة عنك.
وتلك إحدى مفارقات السياسة في منطقتنا: تُصنع القوى لمواجهة خطر يُعتقد أنه جيوسياسي ومؤقت، ثم تتحول القوة المؤقتة نفسها إلى جزء دائم من المشكلة.
فما النهاية؟
الأكثر إثارة للقلق ما يُتداول عن محاولات لجلب مقاتلين سوريين وغيرهم، برعاية أطراف إقليمية، إلى ساحات الصراع في اليمن. وإذا تحولت مثل هذه الدعوات إلى واقع، فإن المسألة لن تكون مجرد إضافة مقاتلين جدد إلى حرب قديمة، بل إدخال عنصر بالغ الخطورة إلى بنيتها، لأن استقدام جماعات عقائدية من الخارج قد يدفع الطرف الآخر إلى المعاملة بالمثل، واستقدام مجموعات من بلدان أخرى، تحت مسميات ورايات نعرفها جيدًا من تجربة الحرب السورية.
وعندها نكون قد انتقلنا من حرب داخلية تتدخل فيها قوى إقليمية، إلى ساحة إقليمية تتقاتل فوقها جماعات عابرة للحدود. وهذه ليست زيادة عددية في المقاتلين فحسب، وإنما تغيير في طبيعة الحرب نفسها، لأن المقاتل المحلي قد يبقى مرتبطًا بأرض ومجتمع وأهداف داخلية يمكن أن تصبح يومًا جزءًا من تسوية، أما حين تدخل الجماعات العقائدية العابرة للحدود، فإنها تجلب معها حروبها وذاكرتها وخصوماتها ومفرداتها وراياتها أيضًا.
والمشكلة أن فتح هذا الباب أسهل كثيرًا من إغلاقه. فمن يستقدم مائة مقاتل لموازنة خصمه، قد يستقدم خصمه ألفًا لموازنة المائة، ثم يستيقظ الجميع ليكتشفوا أن البلاد امتلأت بمقاتلين وجهاديين لا أحد يعرف كيف يعيدهم إلى أوطانهم.
وإذا وصل الأمر إلى ذلك، فقد تكون النهاية كارثية.
السلطة الشرعية، بقوامها الحالي، ليست صاحبة موقف مستقل بقدر ما تبدو متلقية لقرارات يصنعها الآخرون. فهي، في تجربتها السياسية الطويلة، أتقنت الكثير من مفردات الدبلوماسية، إلا أن كلمة «لا» ما تزال من أصعب المفردات في قاموسها.
والأشد خطورة أن استمرار إضعاف القوى الوطنية، في الجنوب خاصة، سيترك الساحة، شيئًا فشيئًا، للأكثر تنظيمًا وتسليحًا وتعبئة عقائدية. وعندها قد لا يعود السؤال: ما الهدف؟ بل: أي جماعة، وأي راية، وأي فتوى؟
ولا يبقى من أمل، في هذه المرحلة على الأقل، إلا أن يعمل الجميع على منع استقدام مجاهدين عرب وغير عرب، والبحث عن مساحة سياسية تحول دون انزلاق الأزمة الداخلية إلى حرب الحروب، حرب مركبة شديدة التعقيد، محلية وإقليمية وعقائدية ومذهبية في آن واحد.
فالحروب ذات الأهداف السياسية، مهما طالت، يمكن أن تنتهي بتسوية، لأن السياسة، في نهاية الأمر، تقوم على المصالح وعلى أهداف واضحة. أما حين تتحول الحرب إلى عقيدة، ويصبح الصراع دينيًا مقدسًا في عقول أصحابه، تتغير قواعد اللعبة كلها، فيصبح كل مقاتل مجاهدًا في سبيل الله، وكل خصم عدوًا للدين، وكل هزيمة وعدًا بالثأر.