حضرت اليوم جنازة إنسان عرفته في الخريف الأخير من عمره. كان قد تجاوز الثمانين، وأثقلت جسده أمراض مزمنة عديدة، لكن شيئًا فيه ظل عصيًا على المرض. كنت كلما رأيته وجدته مبتسمًا، حاضر الروح، مقبلًا على الحياة رغم آلامها. وكأن السنوات التي أنهكت الجسد لم تستطع أن تنتزع منه قدرته على بث شيء من الطمأنينة فيمن حوله.
ثم جاء اليوم الذي رحل فيه. انتهت رحلة طويلة في هذه الدنيا، وانتقل من دار لا يدوم فيها شيء إلى دار البقاء.
لكن أكثر ما استوقفني في جنازته لم يكن الموت، بل الأحياء.
رأيت رجالًا عاصروه وعرفوه منذ عقود، ورأيت شبابًا وشابات لم يعيشوا سنواته الأولى، لكنهم عرفوا أثره في سنواته الأخيرة. كانوا جميعًا يستعيدون عنه كلمة طيبة، أو موقفًا كريمًا، أو ابتسامة بقيت في الذاكرة. في تلك اللحظة بدا لي أن العمر الحقيقي للإنسان لا يُقاس فقط بعدد السنوات التي عاشها، بل بما تركه من حياة في نفوس الآخرين.
ومن هنا جاء السؤال الذي ربما يستحق أن يسأله كل واحد منا لنفسه: ماذا سنترك خلفنا عندما يحين موعد الرحيل؟
نقضي جانبًا كبيرًا من حياتنا في السعي إلى العمل والرزق والتعليم وتحسين أحوالنا وتأمين مستقبل أسرنا، وكل ذلك مشروع وضروري. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الذات هي مركز الدائرة كلها؛ عندما نقيس النجاح فقط بما جمعناه لأنفسنا، لا بما أضفناه إلى الحياة من حولنا.
فالتقدم الحقيقي للإنسان ليس ماديًا فقط. قد يمتلك المرء المال أو المكانة أو المعرفة، لكنه يظل فقير الأثر إن لم يتحول شيء مما اكتسبه إلى منفعة للآخرين. وفي المقابل، قد يعيش إنسان حياة بسيطة، لكنه يترك وراءه قلوبًا أكثر رحمة، وشبابًا أكثر أملًا، وأسرة أكثر تماسكًا، وحيًا أو قرية أو مجتمعًا أفضل قليلًا مما كان عليه.
وربما تكون هذه إحدى مسؤولياتنا الكبرى، خصوصًا في بلد مثل اليمن الذي أنهكته سنوات الصراع والانقسام والحاجة: ألا ننتظر دائمًا مشروعًا ضخمًا أو منصبًا رسميًا حتى نساهم في الإصلاح. بناء المجتمع يبدأ أحيانًا من أفعال تبدو صغيرة؛ من تعليم طفل، ومساندة شاب، وإصلاح خلاف، واحترام امرأة، ومساعدة محتاج، وغرس ثقافة التعاون بدل الخصومة.
كما أن خدمة المجتمع لا تنجح بمجرد حسن النيات. نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف نعمل معًا.
كثيرًا ما نتصور أن امتلاك فكرة جيدة يكفي، بينما التجربة تعلمنا أن الأفكار تنضج بالحوار. حين يجتمع أشخاص يحملون همًا مشتركًا، ويتشاورون بصدق، ويستمع بعضهم إلى بعض بعيدًا عن التعصب للرأي، يمكن أن تظهر حلول لم يكن أحد منهم قادرًا على الوصول إليها منفردًا.
لكن التشاور ليس نهاية الطريق، بل بدايته.
بعده يأتي العمل: أن تتحول الفكرة إلى تجربة على أرض الواقع. ثم نعود لننظر في النتائج: ماذا نجح؟ ماذا أخفق؟ ماذا تعلمنا؟ وهل نحتاج إلى تعديل المسار أم الاستمرار فيه؟
بهذه الدورة البسيطة - تشاور، وعمل، وتأمل، وتعلم - تتحول المجتمعات تدريجيًا. لا لأن أحدًا يمتلك الحقيقة كاملة، بل لأن الجميع يساهمون في البحث عنها من خلال التجربة وخدمة الصالح العام.
وأنا أغادر الجنازة، فكرت أن الإنسان ربما لا يحتاج إلى أن يترك وراءه نصبًا يحمل اسمه، ولا ثروة يتحدث عنها الناس، حتى يقال إنه عاش حياة ذات معنى.
يكفي أحيانًا أن يرحل فيشعر الناس أن العالم فقد شيئًا جميلًا.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كل صباح ليس: ماذا سأحصل عليه اليوم؟
بل: ماذا سأضيف إلى هذا العالم قبل أن أغادره؟