أكتب اليوم لا مؤرخًا ولا مدافعًا عن عهد مضى، بل إنسانًا عاش ما يكفي ليقول بأمانة: لقد ظلمنا في أحكامنا أناسًا لم نعرفهم كما ينبغي.
نشأنا في زمن رسمت فيه الأيديولوجيا صورتنا عن سلاطين الجنوب وأسرهم باعتبارهم خصومًا للثورة. لكن الحياة منحتني ما لم تمنحني إياه الشعارات: المعرفة عن قرب.
لأكثر من ثلاثة عقود عرفت الشيخ صالح بن فريد العولقي، وابن عمه حسن بن فريد وأبناءهم، وعرفت فيهم الأخلاق والكرم والمواقف الإنسانية وحب الوطن رغم مرارة الماضي. كما عرفت الشيخ عبدالهادي شعفل، ابن سلطان الضالع، فوجدت فيه النبل والرفعة ذاتها.
ومع العمر أدركت أن كثيرًا ممن أُجبروا على مغادرة بيوتهم وأرضهم بعد الاستقلال، وعاشوا هم وأبناؤهم مرارة الغربة، لم ينصفهم التاريخ كما ينبغي.
لهذا أعاد إليّ رحيل الشيخ محمد فريد العولقي، رغم أنني لم ألتقِ به، رحلة ستة عقود من أحكام الشباب إلى إنصاف التجربة.
لا أمجّد عهدًا ولا أدين آخر، وإنما أقول ما يمليه عليّ ضميري: من حق من ظلمناهم في أحكامنا أن ننصفهم، ولو بعد حين، ومن حق الأجيال أن نورثها تاريخًا أكثر عدلًا وأقل خصومة.
رحم الله الشيخ محمد فريد العولقي وأسكنه الفردوس الأعلى، وخالص العزاء لآل فريد والعوالق وشبوة والجنوب واليمن.
هذه شهادتي بعد ستة عقود، أقولها وفاءً للحق قبل فوات الأوان.
نائب وزير الخارجية الأسبق