في النقاش حول مستقبل جنوب اليمن، تتقدم أسئلة الهوية والسيادة والتمثيل السياسي، لكن سؤالًا اقتصاديًا يستحق أن يتصدر المشهد، ألا وهو: من يملك مفتاح الخزينة؟ وهذا معناه معرفة من يقرر كيف تُجمع الموارد، وأين تُودع، ولمن تُنفق، ومن يراقب التصرف فيها؟ فالإجابة تكشف المسافة بين امتلاك قضية سياسية وامتلاك القدرة على تحويلها إلى حياة كريمة.
لا تكفي وفرة الموارد لبناء اقتصاد قادر على الاستمرار. فقد يمتلك الوطن موانئ وثروات وموقعًا استراتيجيًا، بينما يعجز المواطن عن الحصول على خدمة مستقرة أو فرصة عمل. وتبدأ المفارقة حين تنفصل الموارد عن الموازنة العامة، والموازنة عن الأولويات الاجتماعية، والسلطة عن المساءلة. عندها تصبح الثروة رقمًا في الخطاب، فيما يظل أثرها غائبًا عن تفاصيل الحياة.
ومفتاح الخزينة لا يعني مجرد السيطرة على حساب مصرفي، بل القدرة المؤسسية على إدارة الإيرادات والنفقات، والتفاوض بشأن الالتزامات، وتوجيه الاستثمار، وحماية المال العام. ومن يملك هذه القدرة يمتلك أدوات فعل سياسي واسعة؛ أما من يتحمل مسؤولية الخدمات دون صلاحية مالية واضحة، فقد يجد نفسه مسؤولًا أمام الناس عن قرارات لا يملكها.
لهذا، فإن مستقبل الجنوب يحتاج إلى نقاش اقتصادي يوازي النقاش السياسي: ما الإطار الذي ينظم الإيرادات؟ وكيف تتوزع المسؤوليات بين المركز والمحافظات؟ وما الضمانات التي تمنع احتكار الموارد أو استخدامها لشراء الولاءات؟ وكيف
يُصان حق المناطق المنتجة، مع ضمان عدالة الخدمات والتنمية بين مختلف المناطق؟
ويقتضي ذلك أيضًا التمييز بين الإيراد المتاح والثروة الكامنة. فالمورد يحتاج إلى أمن وبنية أساسية واستثمار وعقود عادلة حتى يتحول إلى دخل عام. كما أن إدارة الخزينة تتطلب معرفة الالتزامات والديون وكلفة التشغيل والصيانة، كي لا تتحول الوعود الكبيرة إلى أعباء مؤجلة يدفعها المواطن لاحقًا.
ولا ينبغي اختزال الحل في نقل الخزينة من يد إلى أخرى. فاستبدال المتحكم لا يؤسس حكمًا رشيدًا ما لم تتغير قواعد الإدارة. المطلوب موازنة معلنة، وحسابات قابلة للتدقيق، ورقابة مستقلة، ومشتريات تنافسية، ومعايير واضحة لتوزيع الإنفاق. فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما دخل الخزينة وما خرج منها، وما تحقق مقابل ذلك.
كما أن بناء اقتصاد الجنوب يقتضي توسيع مصادر الدخل: تشغيل الموانئ بكفاءة، وتنمية الثروة السمكية، ودعم المشروعات الصغيرة، وتأهيل البنية الأساسية، واستقطاب استثمارات تحمي المصلحة العامة. فالاعتماد على مورد واحد أو دعم خارجي يجعل القرار الاقتصادي عرضة للتقلب والضغط.
إن حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم يكتسب قوة عملية حين يقترن بمشروع مؤسسي يوضح كيف ستُدار الموارد وتُحمى الحقوق. وتبدأ هذه المصداقية من برامج قابلة للتمويل والقياس، تربط كل وعد بمصدر دخل ومسؤولية تنفيذ.
وفي النهاية، فإن مفتاح الخزينة أمانة عامة. والسؤال الذي يستحق الإجابة هو: كيف تصبح موارد الجنوب ملكًا لمستقبل أبنائه، وكيف يُحاسَب من يديرها باسمهم؟