أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:17 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​كيف يمكن لليمن أن يحوّل أموال الجوع إلى اقتصاد يُنتج الحياة؟

    د. نجوان القرشي




    ​ماذا لو لم يكن السؤال الأهم في أزمة الغذاء اليمنية هو: كم نحتاج من المساعدات لإطعام الناس؟ بل: كيف يمكن لكل ريال ينفق لمواجهة الجوع أن يساعد اليمن على إنتاج المزيد من غذاء الغد؟، لا يستطيع اليمن تحقيق الاكتفاء الغذائي الكامل في المدى القريب، ولا يمكن الاستغناء عن المساعدات الإنسانية في ظل الاحتياجات القائمة. لكن يمكن التفكير في نموذج مختلف: نموذج لا يكتفي بشراء الغذاء وتوزيعه، بل يستخدم جزءاً من الإنفاق الغذائي لبناء قدرة محلية على الإنتاج، وتوليد الدخل، وتقليل الهدر والاعتماد على الواردات تدريجياً.

    الفكرة الجوهرية هي إنشاء سوق غذائية مضمونة قبل الزراعة. تحدد احتياجات الأسر والمؤسسات مسبقاً، ثم تُبرم عقود شراء مع المزارعين وفق كميات وأسعار ومواصفات واضحة. وبدلاً من أن يتحمل المزارع وحده مخاطر الإنتاج والبحث عن المشترين، يصبح لديه طلب معروف يمكن أن يساعده على التخطيط والحصول على التمويل.

    لكن لماذا نتوقف عند العقود الزراعية التقليدية؟ يمكن تطوير الفكرة إلى منظومة أكثر ابتكاراً من خلال خمسة مسارات مترابطة:
    أولاً: الغذاء بوصفه استثماراً دواراً، حيث يتم انشاء صندوق تجريبي يجمع مساهمات الجهات المانحة والمؤسسات الاجتماعية والقطاع الخاص لتمويل المدخلات الزراعية وشراء المحاصيل المتعاقد عليها. وتعاد الأموال القابلة للاسترداد إلى الصندوق لتمويل مواسم جديدة، بينما يستمر الدعم الإنساني المباشر للأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف الغذاء. والهدف هو أن يصبح التمويل قادراً على دعم الإنتاج المتكرر، لا موسم واحد فقط.

    ثانياً: بورصة محلية للطلب الغذائي، و هنا لا يقصد بها إنشاء سوق مالية معقدة، بل منصة بسيطة تجمع بيانات احتياجات المستشفيات ومطابخ الإغاثة، وتربطها بالمزارعين ومواعيد الحصاد والأسعار. ويمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي تدريجياً للتنبؤ بالطلب، وتحديد مواسم النقص والفائض، وتقليل التلف. ويجب أن تبقى الأسعار والعقود شفافة، وألا تتحول المنصة إلى وسيلة لاستبعاد المزارعين الصغار.

    ثالثاً: كل قطرة ماء يجب أن تنتج قيمة غذائية، ففي بلد يعاني من شح المياه، لا ينبغي قياس النجاح بالأطنان وحدها، بل بالغذاء المنتج مقابل كل وحدة مياه. حيث تُعطى الأولوية للمحاصيل الملائمة للمناخ المحلي، والري الأكثر كفاءة، وحصاد مياه الأمطار حيثما أمكن، مع تجنّب التوسع في زراعة المحاصيل التي تستنزف المياه الجوفية. فالهدف ليس زيادة الإنتاج بأي ثمن، بل زيادة الإنتاج الممكن استدامته.

    رابعاً: تحويل الفائض إلى غذاء للمستقبل، بدلاً من ترك المحاصيل سريعة التلف تضيع بسبب ضعف النقل والتخزين، يمكن إنشاء مراكز مجتمعية صغيرة للتجفيف والتعبئة والتبريد بالطاقة الشمسية حيث تكون مجدية. ويُستفاد من المنتجات التي لا تستوفي معايير البيع الطازج، متى كانت سليمة وآمنة، في التصنيع الغذائي المناسب. هكذا تتحول خسائر ما بعد الحصاد إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل محلية.

    خامساً: عقد اجتماعي جديد بين المساعدة والإنتاج، يمكن إشراك التعاونيات النسائية والشباب في الفرز والتعبئة والتصنيع والتوزيع، وتوفير فرص عمل مدفوعة الأجر ضمن سلاسل الغذاء. كما يمكن للمؤسسات المشاركة نشر بيانات دورية عن المشتريات المحلية، والأسعار، وكميات الغذاء الموزع، ونسبة الهدر. ويجب أن تُصمم المنظومة بحيث لا تحرم الأسر الأشد فقراً من المساعدة، ولا ترفع أسعار الغذاء على المجتمعات المحلية.

    لا ينبغي إطلاق هذه الأفكار كلها دفعة واحدة. البداية الأكثر واقعية هي تجربة لمدة ستة أشهر في منطقة تتوافر فيها إمكانية إنتاج مستدام، واحتياجات غذائية واضحة، وشركاء موثوقون. وتُقاس النتائج بتكلفة الغذاء، وعدد الأسر المستفيدة، ودخل المزارعين، واستهلاك المياه، ونسبة الهدر، وحجم المشتريات المحلية، وقدرة المشروع على الاستمرار دون خلق أعباء مالية غير قابلة للتحمل.

    إذا أثبتت التجربة نجاحها، يمكن توسيعها تدريجياً إلى مناطق أخرى، مع مراعاة اختلاف المناخ والمياه والطرق والأسواق والظروف الأمنية. ولن يكون الهدف إحلال الإنتاج المحلي محل جميع الواردات، بل تحديد المنتجات التي يستطيع اليمن إنتاجها بكفاءة، واستيراد ما يكون استيراده أكثر جدوى، واستخدام المساعدات لسد الفجوات التي لا يستطيع الإنتاج المحلي تغطيتها.

    إن جوهر هذه الرؤية ليس تحويل المحتاج إلى مزارع، ولا مطالبة المزارع بحل أزمة وطنية بمفرده. بل بناء شبكة اقتصادية تجعل المنتج المحلي أكثر قدرة على الوصول إلى السوق، وتجعل الغذاء أكثر وصولاً إلى المحتاج، وتجعل كل دولار إنساني فرصة محتملة لبناء قدرة إنتاجية جديدة. فلربما يكون السؤال الذي يستحق أن يقود المرحلة المقبلة هو: كيف نحوّل كل دولار يُنفق لمواجهة الجوع إلى فرصة لإنتاج الغذاء، وحماية المياه، وخلق الدخل، واستعادة القدرة على الاعتماد على الذات؟

المزيد من مقالات (د. نجوان القرشي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال