أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:12 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • مدارات.. الانتقالي ومستقبل قضية الجنوب

    أحمد عبداللاه




    مرت القضية الجنوبية بمنعطفات سياسية بالغة التعقيد، إلا أن حرب الدفاع عن الجنوب عام 2015 شكّلت لحظة فارقة في مسارها التاريخي، حين بلغ التلاحم الشعبي ذروته، واتسعت دائرة التعاطف معها داخليًا وخارجيًا، وتحولت من قضية سياسية ذات امتداد شعبي إلى واقع ميداني فرض حضوره في معادلات الصراع في اليمن.

    ومع أن بعض القوى السياسية اليمنية أبدت آنذاك خطابًا أكثر مهادنة تجاه القضية الجنوبية، فإن ذلك لم يكن بالضرورة تعبيرًا عن تحول جوهري في مواقفها، بقدر ما عكس إدراكًا لموازين القوى التي أفرزتها الحرب، ومخاوف من أن يتحول الانتصار العسكري في الجنوب إلى واقع سياسي ومؤسسي يصعب تجاوزه مستقبلًا.

    ومن هنا برزت الأهمية الاستراتيجية للانتقال بالقضية من حالة الحراك الشعبي والمقاومة متعددة الأطياف إلى بناء حامل سياسي مؤسسي، يستند إلى قوة عسكرية منظمة، وهو المسار الذي سعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى تجسيده، انطلاقًا من حقيقة سياسية مفادها أن الانتصارات العسكرية لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب سياسية، ما لم تسندها مؤسسات قادرة على حماية نتائجها وترجمتها إلى حقائق مستقرة.

    إلا أن تعقيدات المشهد الداخلي، وتباين أولويات التحالف العربي، وتشابك المصالح الإقليمية والحسابات الاستراتيجية للدولة القائدة لعاصفة الحزم، فرضت قيودًا متزايدة على مسار خلق أمر واقع في الجنوب، وأضعفت فرص تحوله إلى منظومة سياسية وعسكرية متماسكة تمتلك القدرة على فرض حضورها في التسويات المقبلة.

    ولعل من المهم التمييز بين بناء الأمر الواقع كضرورة استراتيجية، وبين الخروج عن إطار التحالف أو مؤسسات «الشرعية». فالمقصود لم يكن القطيعة مع تلك الأطر، بل بناء منظومة جنوبية متماسكة سياسيًا وعسكريًا، تحمي تطلعات الجنوبيين من تقلبات التحالفات، وتعزز حضور القضية في التسويات السياسية.

    وفي هذا السياق، يمكن قراءة محاولات إزاحة المجلس الانتقالي وإبعاد قياداته عن الأرض، وحملات التضليل وربط القضية الجنوبية بملفات المنطقة واستقطاباتها، بوصفها عوامل ضغط على حضوره السياسي وتماسكه المؤسسي.

    ولم تتوقف تداعيات هذه التحولات عند حدود البنية التنظيمية والعسكرية، بل امتدت إلى محاولات إحداث تصدعات داخل النخبة الجنوبية، وتشكيل مكونات سياسية وجغرافية متباينة الرؤى والتوجهات، بما قد ينقل الخلاف من تعدد الوسائل السياسية لخدمة القضية الجنوبية إلى الاختلاف حول جوهر القضية ذاتها وأهدافها، على نحو يتعارض مع تطلعات الشعب الجنوبي، رغم أن القضية الجنوبية، بعمقها التاريخي والسياسي، أوسع من أن تُختزل في معطيات مرحلة عابرة، فقد اشتد عودها في ظروف كانت فيها التحديات أشد خطورة وتعقيدًا.

    ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، إعفاء المجلس الانتقالي من مسؤولية أخطائه السياسية والتنظيمية، أو تجاهل أوجه القصور في استكمال بناء مؤسسات تعكس الطيف الجنوبي، وإدارة تحالفاته واستيعاب التباينات داخل المجتمع الجنوبي.

    ومع أن المتغيرات الأخيرة وضعت قدرته على التعامل مع التحولات المفاجئة أمام اختبار صعب، فإن المجلس أظهر قدرًا من التماسك في امتصاص الصدمات واستعادة توازنه، مستندًا إلى امتداده الجماهيري وحضور صف من قياداته الميدانية.

    إن التحدي الذي يواجه الجنوب اليوم يتمثل في إدارة المرحلة وفق برنامج عملي يقوم على تقييم واقع القدرات العسكرية والأمنية ومآلات المواجهات الجارية، وقراءة موازين القوى والتحولات السياسية، وتحديد أولويات حماية المكتسبات ومواجهة المخاطر، بالتوازي مع تعزيز البنية المؤسسية للمجلس الانتقالي، وتطوير آليات صنع القرار وإدارة التحالفات، وفتح حوار جاد مع مختلف القوى الجنوبية لبناء توافق حول الأولويات الوطنية والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

    والأهم من ذلك هو إدراك الفارق بين الثبات على الهدف الاستراتيجي وديناميكية الوسائل المرحلية. فالأهداف الكبرى لا تفقد مشروعيتها حين تتغير الظروف، لكنها قد تفقد فرص تحققها عندما تعجز القوى الحاملة لها عن مراجعة أدواتها والتفاعل مع موازين القوى المتحركة.

المزيد من مقالات (أحمد عبداللاه)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال