الاثنين, 02 نوفمبر 2026
112
يمضي أكتوبر، كما تمضي بقية الشهور، لكنه لا يرحل هذه المرة كأي شهر عابر؛ فبعض الشهور تترك في أرواحنا أثرًا لا تمحوه الأيام، لأنها تحمل معها مواقف وذكريات، وتكشف لنا من الحقائق ما كنا نجهله، وتضعنا أمام وجوه لم نكن نعرف حقيقتها.
في أكتوبر تعلّمنا الصبر، وأن ليس كل ما نراه بأعيننا هو الحقيقة، وأن بعض المواقف تكشف معادن البشر أكثر مما تكشفه سنوات طويلة من المعرفة. عرفنا أن بعض الخيبات ليست نهاية الطريق، بل بداية وعي جديد، وأن بعض الغياب راحة، وبعض الحضور لا يعني بالضرورة الوفاء.
تعلّمنا أيضًا أن النوايا الطيبة لا تكفي دائمًا لحماية قلوبنا، وأن الثقة لا تُمنح بلا حدود، وأن الإنسان قد يكتشف متأخرًا أنه كان يمنح بعض الناس مكانة أكبر مما يستحقون.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نغادر أكتوبر بقلوب مثقلة بالعتاب والخيبة من وضعنا الحالي، ولا أن نحمل إلى الشهر القادم أحزانًا لا تستحق أن ترافقنا. فالحياة أقصر من أن نقضيها في مراجعة خيباتنا، وأجمل من أن نسمح لمواقف عابرة أن تسلبنا قدرتنا على المحبة والتسامح.
شكرًا أكتوبر في ثمانينيات الماضي، وعلى ما منحتنا من أفراح، وما تركته من أوجاع هذه السنوات، وما كشفته من حقائق. شكرًا لكل موقف جعلنا أكثر نضجًا، ولكل إنسان كان درسًا، ولكل نهاية فتحت لنا بابًا جديدًا.
نودّعك بوعي أكبر، وقلوب أكثر هدوءًا، ونظرة مختلفة للحياة. فما خسرناه لم يكن كله خسارة، وما عرفناه لم يكن كله مؤلمًا، فبعض الحقائق، وإن جاءت متأخرة، تظل نعمة؛ لأنها تنقذنا من الاستمرار في الوهم.
وداعًا أكتوبر... سنمضي، لا لأن الطريق أصبح سهلًا، بل لأننا أصبحنا أكثر فهمًا للحياة، وأكثر قدرة على التمييز بين من يستحق أن يبقى، ومن علّمنا برحيله أن نمضي.