أحد عمالقة الشعر الغنائي اليمني المعاصر .. عبدالله هادي سبيت.. شاعر الوطن والوجدان

«الأيام» رياض عوض باشراحيل:

رياض عوض باشراحيل
رياض عوض باشراحيل
انقباض في القلب، وأسى في الجوارح، وحزن عميق على رحيل الشاعر الغنائي الرائد عبدالله هادي سبيت المدرسة الفنية الكبيرة التي أغلقت أبوابها، وانطوت أروع صفحة من صفحات الشعر والموسيقى والغناء اليمني، رحل علم خفاق جمع المواهب والملكات الإبداعية المختلة: الشعر واللحن والعزف الموسيقي، علم رفرف طويلا وسيظل يرفرف في الآفاق، رحل رمز من رموز الشعر والإبداع الغنائي في اليمن على امتداد تاريخه الثقافي والأدبي والفني ليسدل الستار على عصر فريد من الفن سيبقى ما بقيت موسيقاه وألحانه وأشعاره العذبة الراقية في أفئدة الجماهير، لقد غاب عنا شاعر الأرض والانتماء وودعنا المشعل الفني للمقاومة الوطنية والملاحم البطولية يوم الأحد الموافق 22/4/2007م، عن عمر ناهز التاسعة والثمانين عاما.

رحيل المشوخ
لقد رحل عبدالله هادي سبيت رحيل العز والإباء والشموخ بعد أن أعطانا كل شيء ولم يأخذ منا شيئا، غادرنا بعد أن عبر في شعره عن حب الوطن وإذكاء الهوية والانتماء وترك بصماته وعلاماته المميزة في مسيرة الأدب والثقافة والفن اليمني، ترك القدرة على الإحساس بالحياة وبمشاعر المحبة الصادقة، ترك الإرادة على التصالح مع المجتمع والالتصاق بالأرض والثقة بالناس في أن يكونوا صادقين مع أنفسهم، ومع وطنهم، ومع الحياة، لقد افتقدناك ياشاعرنا الكبير افتقدناك أيها البدر المنير والمسك الذي يتضوع عطره في جنبات الوطن، وإننا لا نملك غير أن نسأل الله لك العفو والمغفرة والرحمة إنه سميع مجيب.

وكان شاعرنا الراحل قد عانق الوجود في مدينة الحوطة بمحافظة لحج في العام 1921م، ولحج هي واحة غناء وبستان أخضر ونسائم عطرة وماء عذب زلال وجمال في الطبيعة والحياة والفن، ولا عجب فهي أرض الحسيني، ومنزل القمندان والأم الرؤوم التي احتضنت عبقريات الغناء، لذلك قال شاعرنا عبدالله هادي سبيت في أربعينية القومندان حاثا على النشاط والعمل ومكارم الأخلاق محذرا من الكسل والقعود في إشارة إلى صفات الرائد القومندان:

ذهب الزراع النشيط ومن كا

نت أياديه تحكي خير المواسم

فإذا قيل في القعود نعيم

قال كلا ففـي النشاط المـغانم

يا سجل التاريح بالله سطر

بمـداد الفـخـار كـل المكـارم

وقد تغنى كبار مطربينا بروائع عبدالله هادي سبيت ومنهم محمد مرشد ناجي وأحمد قاسم وفضل محمد اللحجي وفيصل علوي وأيوب طارش وأحمد يوسف الزبيدي وغيرهم كثير، بيد أن أغنياته الوطنية والقومية في الخمسينات والستينات كانت قد لعبت دورا مهما في إيقاظ النخوة والرجولة والحس الوطني للجماهير وكانت زاد للثوار يستمدون منها معاني الصمود والقوة والإرادة والتحدي للمستعمر الغاصب ومن تلك الروائع: أشرقي ياشمس من أرض العروبة، يا شاكي السلاح شوف الفجر لاح، بلادي وإن سال فيك الدم، ياظالم ليه الظلم ذا كله، طفي النار يا ذي عشت فيها دوب وغيرها، كما أن أغنياته العاطفية كانت غذاء للقلوب والمشاعر الإنسانية والوجدان ومنها: حبيبي جاني،لا وين أنا لا وين، والله ما فرقته وانا به زري، يا الله بساعة هنية، يا حاكم زمانه، نظرة من مقلتيها، ليه يابوي، يا عيدوه ياعيدوه، بانجناه، ليه يا زين ما شان، يا بن الناس حبيتك، عمرنا ليل (يا حبايب)، هويته وحبيته وغيرها، ومما جاء في أغنيته والله ما فرقته وانا به زري قوله:

خلي قد هجرني وانفسي اصبري

خلي قد جفاني واعين اسهري

خلي باعني ياليته يشتري

والـله ما فـرقته وانا به زري

وفاء الرموز بين سبيت والقمندان والمرشدي
إن الوفاء المتبادل الذي يتجلى في ممارسات وسلوك الرواد في الفن اليمني يعد ظاهرة ومحطه لافتة للنظر جديرة بالإشادة والتمجيد والاحتفاء بها، إذ إن ذلك الوفاء لا ينم إلا عن الأصالة والشموخ والقيم الرفعية التي يتسم بها روادنا، وقد أشرت في مقالي بمئوية الشاعر حداد بن حسن الكاف إلى مشاهد من تبادله الوفاء مع الشاعر حسين أبوبكر المحاضر.. وفي المسيرة الفنية لرائدنا الشاعر عبدالله هادي سبيت تجلت بوضوح سمات الأصالة والمروءة والوفاء، لقد كان وفيا ومنصفا مع السابقين فأنصفه وبرّ به اللاحقون، وكان يجل الرموز وكبار المبدعين في فنه ويعترف بأدوارهم الريادية ومنهم أحمد فضل القمندان الذي كان له في نفس شاعرنا مكانة وذكرى، واعترافا بمنزلته العالية في تطوير الفن اللججي فقد كتب في مقدمته لكرمة الألحان الجزء الخاص بالأغنية من ديوانه (الدموع الضاحكة) هذا الإهداء:«إلى القومندان إلى باعث النهضة الفنية الغنائية في لحج، تقديرا لفنه الرفيع واعترافا لجهوده الجبارة لإعلاء الفن الغنائي في لحج وكفاه فخرا هذا الامتداد المشرف للشعر الحميني والألحان اللحجية التي تشهد بها جميع الأوساط الفنية»، هذا هو الشموخ والرفعة والاعتراف بالجميل، هذا هو الإنصاف والوفاء لأهل الوفاء، ولأن من يزرع الجميل والتآخي والإنصاف لا يحصد إلا مثله فقد تجلى إنصاف الفنان الكبير محمد مرشد ناجي ووفاؤه لشاعرنا عبدالله هادي سبيت متلألئا كالبدر في السماء وذلك عندما أرخ لرائعة سبيت الوطنية «يا ظالم» في كتابه (محد مرشد ناجي.. أغنيات وحكايات) إذ جعلها المرشدي القصيدة الغنائية الأولى التي استهل بها الكتاب وهذا مشهد من مشاهد الأصالة والوفاء والاعتراف بالفضل وفي هذا الملمح إشارة إلى مكانة القصيدة الغنائية الوطنية ومنزلة الشاعر ومكانته العظيمة في وجدانه. وفي مشهد آخر ذكر الأستاذ فضل النقيب في مقالة بصحيفة «الأيام» بعنوان (نجوم عدن.. عبدالله هادي سبيت) الصادرة بتاريخ 8/5/2005م، ذكر النقيب أن الفنان محمد مرشد ناجي قد اتصل به هاتفيا طالبا منه تصحيح معلومة وردت في أحد مقالات نسبت أغنية «ياشاكي السلاح» له -أي للمرشدي- بينما هي على حد تعبير المرشدي لأستاذنا عبدالله هادي سبيت وقد كتب النقيب وصحح المعلومة في المقال المشار إليه بتأكيد حق شاعرنا سبيت في هذه الأغنية وختم عبارته بقوله «وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر».. أجل إنهم بدور ونجوم وكواكب مشرقة أنارت سموات الفن اليمني بإبداعها وعبقرياتها وبالصدق والوفاء والقيم الرفيعة التي تميز بها أولئك الرواد فالمرشدي الوفي يعترف بأستاذية سبيت أولا ثم يسعى جاهدا لتصحيح الخطأ ورفع الحيف الذي أصاب شاعرنا سبيت ربما من كاتب نزق هضم حق الشاعر في أغنيته من ناحية ثانية. لقد افتقدنا اليوم مثل هذا الوفاء النادر بين أجيالنا الفنية الحديثة وليت الصغار يتعلمون من تجارب الكبار دروسا لاشك أنها سترفعهم بحق إلى مراتب عليا وآفاق سامية وليتهم يفهمون معنى قول الشاعر:

وإن ابدت الغصون اخضرارا

فالذي أنبت الغصون الجذور

وسيشهد التاريخ أن إبداع شاعرنا عبدالله هادي سبيت جمع المواهب والملكات المختلفة، ورفد نهره الفني والشعري بحر أغنيتنا بروافد الأصالة والسمو وشكل إبداعه جسرا فنيا متينا ربط عصر القومندان بعصر الأجيال الفنية التي أتت من بعده وسد أفقا إبداعيا فاصلا في عمق التاريخ الفني للحج الخضيرة وللوطن اليمني كله.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى