أهالي عدن ومعركة البطون الخاوية

تقرير/ فردوس العلمي

 خلت بعض رفوف البقالات من المواد الغذائية والاستهلاكية بالعاصمة عدن، ولم يتمكن أصحابها من تعبئتها مرة أخرى لارتفاع أسعارها، فقعدوا أمام أبوابها على أمل أن يفرج الله عنهم، بعد أن تم بيع معظمها بالآجل.

وعجز الدائن أمام الغلاء الفاحش عن شراء بضاعة جديدة، ولم يستطع المدين من سداد ما عليه من دين، فيما عجز باعة آخرون عن بيع بضاعتهم من المواد الغذائية والتموينية، نتيجة لتردي الأوضاع المعيشية والمادية لدى المواطنين.

ودفع تهاوي العملة المحلية أمام الأجنبية بخروج تظاهرات احتجاجية ضمن العصيان المدني الذي بات ينفذ يومي الإثنين والأربعاء من كل أسبوع في عموم مدن ومحافظات الجنوب.

سياسة تجويع
وفي الوقت الذي حال فيه الارتفاع في الأسعار وضعف المرتبات الشهرية أمام الكثيرين من شراء جزء من احتياجاتهم الأساسية، يجوب آخرون محلات الصرافة لشراء العملات الصعبة وبقيمة عالية جداً، وهو ما يكشف سياسية التجويع المتعمدة لأبناء هذه المدينة من قبل البعض.


وحمّل المواطنون ما أسموها «الحكومة الفاسدة»، وتجار الجملة والتجزئة ممّن يسعون لكسب الفائدة سريعاً ما آلت إليه الأوضاع المعيشية بشكل غير مسبوق. 

فيما يقول بائع في محل تجاري بالتجزئة: «لم نعد نستطيع البيع كالسابق فالأسعار كل يوم تزداد، ولا نستطيع من خفضها كون تجار الجملة يرفعون قيمتها بشكل يومي، على الرغم من أنها مخزونة لديهم منذ فترة سابقة».
وأضاف في حديثه لـ «الأيام»: «صاحب المحل يضطر لرفع أسعار المواد القديمة ليتمكن من شراء بضاعة جديدة بسعر مرتفع».

ضعف في عملية الشراء
وأكد عامل في «ميني ماركت» ضعف إقبال المواطنين على البقالات والمحلات التجارية الصغيرة لعدم مقدرتهم على مُجاراة الغلاء الفاحش.

وقال: «رواتب أكثر الموظفين باتت لا تكفي لشراء متطلبات أسبوع واحد من المواد التموينية، فمثلاً هناك  بعض الزبائن كانوا يأخذون احتياجاتهم في الشهر بمائة ألف ريال، ويسددون 90 ألفا فيما تُرحّل عشرة آلاف فقط إلى الشهر الثاني، واليوم تبلغ كلفة ما يشترونه 160 ألفا».


وشهد شهر سبتمبر الماضي ارتفاعاً للأسعار بشكل شبه يومي نتيجة لانهيار العملة المريع، وأوضح لـ«الأيام» أحد عمال المحال التجارية في المدينة مدى قفزات الأسعار الكبيرة في المواد الأساسية وفي أوقات متقاربة، كما هو في قيمة أرز شاهين عبوة 9 كيلو والذي كان سعره  في الأسبوع الأول من أغسطس 7100 ريال، ليبلغ في 3 سبتمبر 8600 ريال، وفي 26 سبتمبر 9800 ريال ليصل في 3 أكتوبر الجاري إلى 12 ألف ريال.

والأمر ذاته في الدقيق الذي قفز سعر العبوة 50 كيلو من 8500 ريال في تاريخ 2 أغسطس إلى 9800 في 4 سبتمبر ليصل في 5 أكتوبر الجاري إلى 13700 ريال.

فيما كانت قيمة سعر سكر الأسرة عبوة عشر كيلو 2850 ريالا مطلع شهر أغسطس، و3600 في الأسبوع الأول من الشهر الماضي، وحتى 4 أكتوبر الجاري وصل إلى 4900 ريال.
وحتى منتصف الأسبوع الأول من الشهر الجاري بلغت قيمة الزيت عبوة 20 لترا 11700 ريال بعد أن كان في 6 أغسطس الماضي بـ 8600 ريال.

ارتفاع جنوني
فيما أوضح أمين بن طالب، وهو صاحب محل جملة وتجزئة في مديرية الشيخ عثمان، أن المواطنين اضطروا للشراء بمكيات قليلة نتيجة للغلاء والظروف المادية الصعبة.. فمثلاً هناك من كان يشتري أرز سعة 20 كيلو في السابق أصبح يشتري 5 كيلو في الوقت الحاضر، بمعنى أن الكثيرين تنازلوا عن ثلاثة أربعات من قوت يومهم.

ويوضح بالقول: «حينما كان سعر الصرف السعودي 170 ريالا كان الوضع نسبياً مُيسّرا للبعض، فأرز الشاهين 20 كيلو كان سعر 13800 ريال ومن ثم 17400 ريال، وحالياً مع زيادة الصرف أصبحت الأسعار كل يوم في تصاعد، وأصبحنا نشتري من كبار التجار بأسعار مضاعفة، فسلعة الأرز مثلاً أبو 40 كيلو بـ 48 ألف ريال».


ويقول عبدالرحمن عبدالقادر: «بحثت كثيراً عن عمل وحينما استطعت فتح بقالة سرعان ما وجدت نفسي أخسر كل شيء بسبب الغلاء الجنوني».

ويضيف لـ «الأيام»: «فتحتُ البقالة برأسمال مليون ريال، وكنتُ أعمل بأريحية وأتمكن من تغطية الإيجار، وأتحصل على الفائدة، إذ كانت مبيعاتنا اليومية ما بين (45 - 50 ألفا)، ولكن مع الارتفاع الحاصل أصبحنا لا نستطيع توفير قيمة إيجار البقالة، بسبب تهاوي العملة وجشع تجار لجملة وامتناعهم عن البيع بالآجل كالسابق».

وأوضح عبدالقادر عينات من السلع ومدى الارتفاع فيها بالقول: «علبة الفاصوليا قفز سعرها من 200 إلى 350 ريالا، حليب الممتاز (حجم صغير) ارتفع من 150 إلى 250 ريالا، حتى احتياجات الأطفال كالطرزان مثلاً قفز من 10 إلى 30 ريالا، والأمر ذاته في بقية المواد».

إقبال ضعيف
ولم يقتصر الارتفاع في المواد الغذائية والاستهلاكية بل طال الخضروات والفواكه كما أوضح حسن العاطفي وهو صاحب بسطة لبيع الخضروات، مضيفاً «الوضع سيئ جداً.. إننا نعيش أزمة بسبب تهاوي العملة الوطنية أمام الأجنبية، وتراجعت على إثره عمليتا البيع والشراء، فمثلاً كان سعر السلة البطاط بثلاثة آلاف ريال، وحالياً بعشرة آلاف، والأمر ذاته في الطماطم التي كان سعر السلة في الموسم 1500 ريال ووصلت في الوقت الحالي عشرة آلاف ريال وفي عز الموسم، فيما زاد سعر كرتون الموز من 4 آلاف إلى 7 آلاف، وهذا الغلاء شمل الخضروات والفواكه الأخرى».

بائع خضار

وأعاد العاطفي، في حديثه لـ «الأيام»، ارتفاع الأسعار إلى أزمة الديزل والبترول واختفائها من الأسواق في كثير من الأحيان، وما نتج عنها من ارتفاع في أسعار النقل والحمالة وغيرها.

وأضاف صاحب بسطة أخرى في سوق الزعفران بكريتر «الغلاء كشف حال الناس، فكثير منهم لم يعدوا يشتروا بالكيلو ولا بالنصف، بل بالمجموع وهو الشراء بألف ريال من كل نوع قليل، وهذا الأمر أضعف مبيعاتنا ففي الوقت السابق كنا نذهب كل يوم للسوق العام لشراء الخضروات والفواكه الآن لا نذهب إلا يومين في الأسبوع».

الغلاء حرمنا الكثير
أم نوال كانت في محل بيع «بهارات» لشراء بسباس أحمر سألتها ..أيش رأيك بالأسعار؟ ابتسمت وأجابت بلهجتها العدنية «قصفهم ربي حتى صانونة الهواء أحرمونا منها، الكيلو البسباس أحمر قد قيمته 4500 ريال، الصلصلة أبو كيلو كانت 500 الآن بألف ريال، أيش عاد باقي؟»، وحملت كيسها مغادرة المكان وهي تردد: «حسبي الله ونعم الوكيل كشفوا حالنا».

وظهرت موجت الغلاء جلية أيضاً في سعر الوجبات المقدمة في المطاعم والكافتيريا في المدينة، إذا ارتفع فيها أسعار الشاي والخبز وغيرها إلى الضعف.
وأوضح صاحب كافتيريا أن كرتون الحليب قفز من 5800 ريال إلى أحد عشر ألف، والشاي من 28 إلى 85 ألفا».

فيما قال جمال محمد الزغبري: «كنتُ أفطر بــ 200، الآن حتى 800 ريال لا تكفي.. ولا نلوم أصحاب المحال والمطاعم، فإيجاراتهم يدفعونها بالدولار وكل شيء ارتفع سعره، والمؤسف أن الراتب هو الوحيد الذي لم يرتفع تجاه هذه الغلاء الفاحش وغير المسبوق».
وطالب المواطنون رئاسة البلاد بصرف مرتباتهم بالعملة الأجنبية (دولار أو سعودي) كمسؤولي الدولة، ليتمكنوا من مجاراة الغلاء الفاحش في السلع الغذائية والتموينية وغيرها.