في ذكراها الـ55 ثورة أكتوبر.. بين الحاضر والماضي ماذا تغير؟

تقرير/ علاء عادل حنش

تعتبر ثورة الـ14 من أكتوبر الثورة الأعظم على الإطلاق، كونها هزمت جبروت محتل ظل جاثمًا، بكل ثقله، على صدر أبناء الجنوب لما يربو على 129 عامًا، وجسدت هذه الثورة التضحيات العظيمة التي قدمها أبناء الجنوب آنذاك.

فثورة 14 أكتوبر جسدت الروح الوطنية لدى أبناء الوطن الجنوبي، وكفاحهم المسلح الذي واجه دولة متقدمة بكامل عتادها المتطور، لكن إرادة الشعوب وحدها من تنتصر، وهو ما حققه الجنوبيون بعد اندلاع شرارة أكتوبر من جبال ردفان الشماء بقيادة راجح بن غالب لبوزة عام 1963، ليتمخض عنها الانتصار الأعظم بطرد آخر جندي بريطاني من عدن في 30 نوفمبر 1967، بعد أن استمرت ثورة أكتوبر زهاء 4 أعوام، لتكون هاتان المناسبتان هما الأعظم لشعب الجنوب على مر تاريخه.

 واليوم تحل علينا الذكرى الـ55 لثورة 14 أكتوبر وقد تغيرت كثير من المعطيات منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، فمر الجنوب بعدة منعطفات أبرزها قيام الوحدة اليمنية بين (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، و(الجمهورية العربية اليمنية) في 22 مايو 1990، والتي قامت على أساس القومية العربية، غير أن نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح حرف مسارها، فحولها من وحدة بين دولتين اتفقتا على أسس ومبادئ إلى هبة ومرتع يرتع فيها متى وكيفما شاء، فعاث في أرض الجنوب فسادًا، وما يؤكد ذلك أن الوحدة لم تستمر إلا 4 سنوات قبل أن تندلع حرب صيف 1994، ليشن نظام صالح حربًا شرسة ضد الجنوبيين، ويرمي بكامل ثقله إلى الجنوب، وحصل ما حصل.


بعدها، ظل الجنوبيون في حالة فوران وغليان، وظل يقاوم سلميا، بعد أن جرده نظام صالح من كل شيء، ليشهد عام 2007 انطلاق ثورة الحراك الجنوبي السلمية، والتي قوبلت بالقمع والبطش من قبل نظام صالح، غير أن الجنوبيين عزموا على مواصلة نضالهم، كما حدث إبان الاحتلال البريطاني، ولم يكتفِ نظام صالح بما حدث للجنوبيين، ليعيد الكرة مرةً أخرى، ليشن هو والحوثيون حربًا على الجنوب في مارس 2015، ورغم ذلك، فإن الجنوبيين لم يرضخوا أو يستسلموا، فظل شباب الجنوب يقاومون بكل بسالة وشجاعة رغم عدم توافر السلاح والإمكانات، لكن، ونعيدها ثانية، إرادة الشعوب وحدها من تنتصر، وهو ما حققه الجنوبيون بالانتصار على الحوثيين وأتباع صالح في ذات العام.

انطلاق ثورة أكتوبر
قبل انطلاق ثورة 14 أكتوبر 1963 من جبال ردفان، كانت هناك أحداث عدة نذكرها باقتضاب، حيث صدر في 11 سبتمبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قضى بحل مشكلة الجنوب اليمني المحتل، وحقه في تقرير مصيره، والتحرر من الحكم الاستعماري البريطاني..وعند عودة الجنوبيين من شمال اليمن بقيادة راجح لبوزة، الذي استشهد مع مغيب شمس يوم الثورة، انطلقت شرارة ثورة أكتوبر من جبال ردفان، والتي دامت 4 سنوات، وحينها شنت السلطات البريطانية حملات عسكرية غاشمة استمرت زهاء 6 أشهر، ضربت خلالها القرى والسكان الآمنين بمختلف أنواع الأسلحة، تشرد على إثرها آلاف المدنيين العزل، واتّبعت القوات البريطانية في هجماتها وغاراتها على مناطق ردفان سياسة «الأرض المحروقة»، وخلفت كارثة إنسانية فظيعة، حتى إن أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني أدان تلك الأعمال ووصفها بـ «اللا إنسانية».


وفي عام 1965 اعترفت الأمم المتحدة بشرعية كفاح الشعب الجنوبي طبقًا لميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وخلال المعارك بردفان خاض المناضلون مواجهات عسكرية شرسة مع القوات البريطانية في جميع جبهات القتال، زلزلت مواقع وتجمعات المستعمر البريطاني، حتى نال الجنوبيون الاستقلال في 30 نوفمبر 1967، بعد احتلال بريطاني دام لـ 129 عامًا، لينجح الجنوبيون في هزيمة الدولة التي لا تغيب عنها الشمس.

ثورة أكتوبر.. بين الحاضر والماضي ماذا تغير؟
اليوم تغيرت كثير من المعطيات في الجنوب، فأصبح الاحتفال بهذه الذكرى يحمل أغراضا سياسية، وليس كما هو معروف، بأنها ذكرى تحمل تضحيات شعب، ناضل وقاتل وكفاح في سبيل التحرر.
وأصبح الجنوب اليوم على اعتاب استعادة دولته وهويته، ما يعني نبذ أي خلافات قد تظهر من هنا أو هناك، وأصبح لزامًا أن يعي الجنوبيون أهمية المرحلة الراهنة.


مراقبون سياسيون قالوا إن توحيد وجهات نظر الجنوبيين مهم، وهذا أمر غير قابل للنقاش لأن الأمر متعلق بتضحيات آلاف الشهداء والجرحى.
وأضافوا لـ«الأيام» إنه من المهم ألا ينجر الجنوبيون إلى مربع المناكفات السياسية التي قد تلقي بظلالها على مستقبل الجنوب.

وأشاروا إلى أنه كان بالسابق يحتفل الجنوبيون بذكرى أكتوبر ونوفمبر تحت شعارات واحدة وهدف واحد.. فما الذي تغير الآن؟
وأكدوا أن العدو يتربص بالجنوبيين وينتظر أي هفوة منهم ليضعها حجة أمام العالم.

بين انتصار الأمس وانتصار اليوم
القائم بأعمال الأمين العام، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، فضل محمد الجعدي قال «في الذكرى الـ55 لثورة 14 أكتوبر 1963 الخالدة سيطوي التاريخ صفحات.. ليفتح صفحات جديدة».
وأضاف الجعدي عبر صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «ثورة أكتوبر الخالدة تتجدد في كثير من المنعطفات».


وتابع: «اليوم نستقبل العيد هذا العام 2018 وشعبنا يحتفي منتصرًا بالثورة الثانية.. بالأمس انتصرنا على الاستعمار الأجنبي (البعيد)، واليوم يتحرر شعبنا من استعمار الأخ القريب.. تحية من الأعماق لشعبنا المكافح الذي لا يقبل الظلم أبداً».

نقطة مضيئة
من جانبه، قال الكاتب الصحفي زكريا محمد محسن إن «الوقوف أمام الـ14 من أكتوبر، ذكرى انطلاق ثورة الجنوبيين المجيدة ضد المستعمر البريطاني، له مهابة عظيمة، والكتابة عن هذه الذكرى العظيمة ليست بالأمر السهل فهو ليس مجرد تاريخ في روزنامة الزمن، بل هو نقطة مضيئة وفارقة في تاريخ شعبنا الجنوبي العظيم الذي سطر أروع الملاحم البطولية وقدم التضحيات الجسام في سبيل الحرية والانعتاق والتحرر من نير الاستعمار البريطاني البغيض الذي جثم على صدره لما يقارب 129 عامًا لكنه بالأخير أُجبر على الرحيل أمام بسالة وصمود الأجداد».


وأضاف لـ«الأيام»: «الحقيقة ينبغي علينا أن نأخذ من أكتوبر ونوفمبر المناسبتين المجديتين في تاريخ جنوبنا الأبي الدروس والعبر والعظات، وأن ندرك أن إرادة الشعوب لا تقهر، وأن ثمن الحرية باهظ، وأن البغاة والطغاة مهما تجبروا وطغوا مصيرهم إلى الزوال.. والأهم من هذا وذاك علينا أن ندرك أن الحفاظ عن وطننا وبنائه أهم وأصعب من تخليصه من المستعمر، وكما قيل (ما أجمل أن تموت من أجل وطنك، والأجمل أن تعيش من أجله!)».

الانتقالي يلغي الاحتفال
بدورها، وعلى غير المتوقع، أقرت هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي في اجتماعها أمس الجمعة عدم تنظيم فعالية مركزية في الـ14 من أكتوبر، نظرا للأوضاع المعيشية والإنسانية الصعبة التي يشهدها الجنوب ويعانيها أبناؤه، في كل المحافظات، نتيجة الانهيار الاقتصادي الكبير وانهيار العملة المحلية وغيرها من صور الانهيار الناتجة عن الفساد الحكومي والسياسات الاقتصادية الكارثية، حسب ما ذكره موقع المجلس.


وفي السياق، يحتفل الجنوبيون غدا الأحد بذكرى أكتوبر في ساحة العروض بخورمكسر في العاصمة عدن.​