الحوثيون يعيدون هندسة اليمن أيديولوجيا

أسعد سليمان


يسرّع الحوثيون خطوات ترسيخ حكمهم في مناطق سيطرتهم شمال اليمن وغربه، من خلال العمل على إرساء ما يسمونه في أدبياتهم «يمنا جديدا»، يتم تفصيله وفقاً لمشروعهم السياسي والثقافي والاجتماعي والطائفي، مستغلين استمرار الحرب والفوضى وغياب السلطة المركزية.

ويشهد اليمن، منذ انقلابهم في صنعاء خريف العام 2014م، عملية تغيير تطاول الجغرافيا والرموز الوطنية، إذ يجرون تعديلات عميقة في مراكز القوى، الاجتماعية والقبلية والسياسية، داخل مناطق سيطرتهم، ويغيرون في المناهج التعليمية، ويُغلقون المراكز والمعاهد التابعة لخصومهم، ويعدلون التسميات التي تثير خصومهم، فيما يتلاعبون في أملاك الأوقاف وممتلكات الدولة، عبر خصخصة المؤسسات العامة، وإنشاء مراكز قوى اقتصادية جديدة.

وقد تمكن الحوثيون من إجراء تغيير جذري في مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية والعسكرية، وإحداث تغيير في عقيدتها القتالية، من خلال إخضاع الكثير من المنتمين إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية، التي استولوا عليها مع الانقلاب، لدورات مكثفة، أطلق عليها الدورات التثقيفية، تولاها بعض رجال الدين، الذين تم تدريبهم في أكثر من دولة، خصوصاً إيران. وتعد التغييرات التي يقوم الحوثيون بها أكبر عملية تغيير في البنية اليمنية، خلال قرن من الزمن، من خلال تفصيل واقع يمني جديد، لا سيما أن التغييرات تجاوزت المؤسسات الأمنية والعسكرية، ووصلت إلى مساعي تغيير الرموز مثل النشيد الوطني، واستبداله (فعلياً) بـ «الصرخة»، وشعارهم الذي وضعوه على الزي العسكري والأمني، وكذلك في المرافق والمؤسسات الحكومية.

كما فرضوا شعارهم «الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام» على أغلب مدارس اليمن، الواقعة تحت سيطرتهم، وأجبروا الطلاب والطالبات على ترديد «الصرخة» في المدارس بدلاً من النشيد الوطني.
ويعد تغيير المنهج التعليمي في المدارس من أهم ملامح تغيير هوية اليمن الثقافية والتربوية، إذ تم تغيير المنهج الدراسي واستبداله بآخر وفقاً لرؤيتهم و «فكرهم» بما يقدم قراءة خاصة بهم لتاريخ اليمن، من خلال البدء بمسعى طمس معالم ثورات اليمن ضد حكم الإمامة، ومحاولة محو ما تراكم من أدبيات ستة عقود من الجمهورية ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م.

ويعاني سكان مناطق سيطرة الحوثيين الأمرين، من خلال إرسال أبنائهم إلى المدارس، بعد أن تحولت المناهج إلى تعبئة أيديولوجية طائفية تخدم مصالحهم. ويستهدف الحوثيون طلاب المدارس لزرع أيديولوجيا خاصة بهم، وتجنيدهم في صفوف جماعة «أنصار الله»، سواء كجنود على الجبهات أو كموالين، ويتم إجبار المعلمين على حضور دورات تثقيفية.

وعن هذا الموضوع، يقول المواطن المقيم في صنعاء، سليم جمال، إنه «يضطر لتدريس أبنائه منهجين في صنعاء، منهجا فرضه الحوثيون ويتم تعليمه في مدارس العاصمة وباقي مناطق سيطرة الحوثيين، ومنهجاً آخر، يعلمه لأولاده في المنزل، وهو المنهج القديم الذي يتم تطبيقه في مدارس سيطرة الحكومة الشرعية، وكان مطبقاً في كل اليمن قبل الانقلاب».

إلى جانب ذلك، فإن تغيير هوية اليمن وصل إلى الحيز الديني، إذ يفرض الحوثيون الخطب والخطباء في المساجد، وأغلقوا مراكز دينية لا تتبع لمذهبهم. كما استهدفوا رجال دين، مثل مفتي اليمن محمد إسماعيل العمراني، الذي يمثل الزيدية المعتدلة. فبعدما أبعدوه عن منصبه ووضعوه تحت ما يشبه الإقامة الجبرية بسبب رفضه مساندتهم، نهبوا مكتبته في الجامع الكبير في صنعاء.

ومنذ نحو أسبوع تم سحب صفة الأمين الشرعي منه في الحي الذي يسكنه، وتجريده من كل شيء بما فيه راتبه، بعد قرار من وزارة العدل التابعة لحكومة الحوثيين.
وأكدت ثلاثة مصادر في وزارة العدل التابعة للحوثيين، وكذلك في هيئة الأوقاف اليمنية، والشؤون القانونية، لـ «العربي الجديد»، أن الحوثيين غيروا وثائق عدد كبير من الأوقاف ومؤسسات الدولة، وحولوها إلى أسماء شخصيات قيادية بارزة منهم، فضلاً عن تغيير وإتلاف عدد من الأحكام القضائية، والوثائق التي تشير إلى ملكية بعض العقارات لوزارة الأوقاف وتحويلها إلى أشخاص وعائلات. ويعتبر كثيرون أن الحوثيين يراهنون على أن إطالة أمد الحرب، وفشل الحلول السياسية أو تأخرها، هي بمثابة فرصة لهم لإحداث أكبر قدر ممكن من التغيير في البنية الاجتماعية الثقافية لليمن، ليضمنوا بقاءهم في الحكم مستقبلاً، حتى في حال هُزموا عسكرياً أو سياسياً أو أجبروا على القبول بالحل السياسي. وربما يكون التغيير الذي يجريه الحوثيون على البنية القبلية هو الأكثر حساسية في هذا البلد، الذي تشكل فيه القبيلة أساساً اجتماعياً. فقد فرض الحوثيون وجوهاً قبلية جديدة، ورفعوا من شأن قبائل على حساب أخرى، وتمكنوا من تفكيك أكبر قبائل اليمن، مثل حاشد وبكيل، وأعادوا تغيير البنية القيادية فيها. كما سعوا إلى تغيير مراكز القوى داخلها، فضلاً عن تغيير في مراكز الاقتصاد، إذ تم تخصيص جزء كبير من الأموال التي استولوا عليها من الدولة، أو عبر نهب ممتلكات خصومهم، وبيع الأسلحة في السوق السوداء، وما يحصلون عليه بحجة المجهود الحربي، لبناء مراكز اقتصادية جديدة، ومحاربة المراكز الاقتصادية السابقة.

وأكدت مصادر في حزب المؤتمر الشعبي العام، لـ «العربي الجديد»، أن ترك مساحة الحركة لصالح الحوثيين بشكل منفرد يساعدهم على إكمال سيطرتهم، وتقليص دور الأحزاب وصولاً إلى إنهائها. واعتبرت أن استمرار بقائهم كقيادات مؤتمرية في مناطق سيطرة الحوثيين ربما يُفشل محاولاتهم إتمام السيطرة الاجتماعية والاقتصادية والقبلية والمذهبية على البلد، رغم التهميش والإقصاء الذي يمارسه الحوثيون ضد كل من لا ينتمي إليهم، حتى من أعضاء حزب المؤتمر، بعد مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح. وأدى إغلاق الحوثيين لوسائل الإعلام غير الموالية لهم، وتضييق الخناق على الصحافيين وإجبارهم على النزوح إلى مناطق سيطرة الشرعية، أو خارج اليمن، إلى التحكم في المعلومات ومصادرها. كما خدم انشغال وسائل الإعلام الدولية والمحلية في تغطية الصراع داخل صفوف تحالف الشرعية والمشاكل في المناطق التي يسيطرون عليها، الحوثيين في التفرغ لمواصلة إحداث التغيير في البنية الاجتماعية اليمنية بعيداً عن الأضواء.
عن «العربي الجديد»​