كيف فشلت مهمة «كومارت» اليمنية بهذه السرعة؟

عادل الأحمدي

الجنرال باتريك كومارت
الجنرال باتريك كومارت
أولى نتائج تعقيدات اتفاق ستوكهولم بشأن الحديدة، التضحية برئيس لجنة التنسيق وإعادة الانتشار وكبير المراقبين الدوليين الجنرال باتريك كومارت، ليكون أول مسؤول أممي في اليمن تنتهي مهمته بعد أكثر من شهر على تدشين مهمته الصعبة، إذ تعد الاستقالة منها أقوى الشواهد على حجم العقبات المرتبطة باتفاق الحديدة، وبالتالي مسار السلام الذي ترعاه الأمم المتحدة في اليمن.

وبعد أيام من محاولة المنظمة الدولية إنكار نبأ استقالة كومارت، بما له من تأثيرات ومدلولات سياسية، أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس، الإثنين الماضي، مجلس الأمن الدولي رسمياً بتعيين الجنرال الدانماركي مايكل لوليسغارد رئيساً لبعثة المراقبين الدوليين في مدينة الحديدة، خلفاً لكومارت، الذي دشن عمله في 22 ديسمبر المنصرم.

وعلم «العربي الجديد» من مصادر يمنية قريبة من ممثلي الحكومة في لجنة التنسيق وإعادة الانتشار، التي تضم أيضاً ممثلين عن جماعة أنصار الله (الحوثيين)، أن مهمة كومارت واجهت تعقيدات كبيرة منذ الأسابيع الأولى، كانت أبرزها الخطوة التي أقدم عليها الحوثيون منفردين، بالإعلان عن «إعادة الانتشار» في ميناء الحديدة، وقاموا بتسليمه إلى قوات تابعة لهم، زاعمين أن ذلك ما يقتضيه اتفاق السويد، ومطالبين القوات الحكومية بخطوات مماثلة، ولم يكن أمام كومارت، الذي دُعي إلى حفل التسليم والاستلام (بين الحوثيين والحوثيين)، من دون تنسيق مسبق معه، إلا أنه يبدي الشكوك تجاه هذه الخطوة، وقال إن أي خطوة يجب أن تتأكد الأمم المتحدة والأطراف الأخرى من تماشيها مع اتفاق ستوكهولم.

في الأسبوع الأول، نجح الجنرال الهولندي المتقاعد، والذي يعد من كبار خبراء الأمم المتحدة العسكريين، في جمع ممثلي الحكومة والحوثيين (ثلاثة عن كل طرف) في لجنة «إعادة الانتشار» على طاولة واحدة، في مدينة الحديدة، وتحديداً في أحد الفنادق الواقعة بمناطق سيطرة الحوثيين (فندق الاتحاد).

وفي الأسبوع الذي يليه عُقدت اجتماعات اللجنة ذاتها ليومين، من دون أن تسفر عن أي نتائج، وكان ممثلو الحكومة، الذين يترأسهم نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء صغير عزيز، قد حضروا إلى مناطق سيطرة الحوثيين على متن سيارات تابعة للأمم المتحدة.

أما في الأسبوع الثالث، فقد كان من المقرر أن يتم الاجتماع في مناطق سيطرة القوات الحكومية، ورفض الحوثيون الحضور (خلافاً للجانب الحكومي الذي حضر إلى مناطق سيطرتهم)، وحينها بدا واضحاً أن مهمة كاميرت تمضي باتجاه مزيد من التعقيد، لا تذليل العقبات.

في الثاني من يناير الجاري، وبالتزامن مع انعقاد الاجتماع الثاني للجنة إعادة الانتشار، استدعى الحوثيون المسؤولين المحليين المعينيين من قبل الجماعة في الحديدة، وأصدروا بياناً يتهم الأمم المتحدة ورئيس فريقها الرقابي في الحديدة بعدم الالتزام باتفاق ستوكهولم، إذ أصرت الجماعة على أنها نفذت ما يعنيها من الاتفاق بـ «إعادة الانتشار» في الميناء، وطالبت القوات الحكومية بالقيام بما يلزمها، بالانسحاب من أطراف المدينة.

في الـ13 من الشهر الجاري، أوضح الحوثيون موقفهم رسمياً من أعلى مستوى، على لسان كبير مفاوضي الجماعة ورئيس وفدها المفاوض محمد عبد السلام، والذي قال في تغريدة على حسابه إن «عدم إحراز أي تقدم في الحديدة على صعيد تنفيذ اتفاق ستوكهولم يعود بالأساس إلى خروج رئيس لجنة التنسيق الأممية عن مسار الاتفاق بتنفيذ أجندة أخرى، ويبدو أن المهمة أكبر من قدراته».

وأضاف عبد السلام أنه «ما لم يتدارك المبعوث الأممي مارتن جريفيثس الأمر فمن الصعوبة بمكان البحث في أي شأن آخر».
وبعد أيام قليلة من تصريحه، وتحديداً في الـ17 من يناير، تعرضت سيارة في موكب كومارت لإطلاق نار بينما كان خارجاً من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وقد أكدت الأمم المتحدة الحادثة، لكنها لم تشر إلى المسؤول عن الهجوم.

وبالتزامن مع مرور شهر على صدور القرار الدولي 2451، كان واضحاً أن مهمة كومارت تمضي إلى ما يشبه طريقاً مسدوداً، وأصدر مجلس الأمن قراراً جديداً يحمل الرقم 2452، بإرسال بعثة «سياسية» إلى الحديدة لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار في الحديدة، بما يمثل اعترافاً آخر بالتحديات الكبيرة التي تقف أمام الاتفاق، وجرى تداول أنباء عن نية كومارت اقتراح نقل اجتماعات لجنة التنسيق وإعادة الانتشار إلى خارج اليمن، بعد أن تعذر اجتماعها في الحديدة، إلا أن الخبر الذي تصدر لاحقاً هو تقديم استقالته من المهمة إلى جوتيريس، ليكون الشاهد الأكبر على حجم التعقيدات أمام الاتفاق.

بصرف النظر عن ملابسات ما حدث لكومارت خلال شهر من مهمته في اليمن، يبدو من زاوية أخرى، بنظر العديد من اليمنيين، ضحية للثغرات الواردة في الاتفاق، إذ إن إعلانه في الـ13 من ديسمبر المنصرم كان بمثابة مفاجأة، ناتجة عن ضغوط دولية على الجانب الحكومي بشكلٍ خاصٍ، وجرت صياغته على نحوٍ يجعله مفتوحاً على أكثر من تفسير، بحيث يذهب كلٌ إلى ما يريد، وهو ما حصل بالفعل، فالحوثيون يقولون إن السلطة المحلية وقوات الأمن المحلية التي يجب أن تتسلم الحديدة هي تلك التابعة لهم، بينما تقول الحكومة إنها الطرف المعني الوحيد بفرض سيادته على الحديدة وفقاً للقانون اليمني ونصوص الاتفاق نفسه.

وفيما عُرفت عن المبعوث الأممي علاقته الجيدة بدرجة أو بأخرى مع الحوثيين، حد اتهامه من قبل مناصرين للشرعية بـ «مجاملة الجماعة»، بدا كومارت المسؤول عن المهمة التنفيذية لاتفاق السويد غير قادرٍ على إقناع الجماعة، ولو بمجرد الاعتراف بأن تسليم ميناء الحديدة من قواتهم إلى قوات أخرى تابعة لهم لم يكن ما يقتضيه الاتفاق، وفي وقتٍ لاحقٍ رفضهم حضور ممثليهم إلى مناطق سيطرة القوات الحكومية للمشاركة في اجتماع اللجنة التي يرأسها.

في السياق، ذهبت بعض التناولات الصحافية إلى بروز خلافات أو تباينات بين الرجلين، وهو ما نفاه جريفيثس في تصريحات سابقة، وعلى الأرجح أن الحديث عن الخلاف يأتي انعكاساً للمسافة التي يقف فيها الحوثيون تجاه كل منهما، مع الإشارة إلى أن خبر استقالة كومارت تزامن مع زيارة جريفيثس الأسبوع الماضي إلى صنعاء، وغادر كلا الرجلين على متن طائرة الأمم المتحدة يوم الأربعاء الماضي إلى الرياض، وعقدا لقاءً مشتركاً مع الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، قبل أن يعود كومارت إلى اليمن السبت وجريفيثس الإثنين الماضي.

وتحدثت مصادر يمنية قريبة من الحكومة عن أن جريفيثس أفصح في أحد لقاءاته بالرياض عن أن مهمة كومارت انتهت.
في الأثناء، تُقر الأمم المتحدة بفشل مهمة أول رئيس لفريق المراقبين الدوليين في الحديدة، وهو أقل الضررين أمام المنظمة الدولية للهروب من الاعتراف بتعثر الاتفاق ووصوله إلى ما يشبه طريقاً مسدوداً، لينتقل التحدي إلى الدانماركي مايكل لوليسغارد، الذي قد لا يتمكن من إيجاد حلٍ سحري، قدر كونه يأتي في ظل طموح منخفض السقف.

ومن المتوقع أن يسعى لوليسغارد إلى تجنب الاصطدام المباشر مع أي الطرفين، فيما يتعين على الأمم المتحدة ومبعوثها جريفيثس، في الوقت ذاته، البحث عن آلية تنفيذية واضحة المعالم، تستدرك ثغرات الاتفاق بتحديد ما على كل طرفٍ بصيغة لا تقبل الجدل، وعدا ذلك يبقى الوضع في غاية التعقيد ومفتوحاً على جميع الاحتمالات.
عن «العربي الجديد»​