الإصلاح.. ونكبة فبراير في اليمن

طارق كرمان

لم تكن الثورة في اليمن ذات طابعٍ ديني أو إسلامي في بدايتها حتى انضم إليها حزب الإصلاح، الجناح السياسي للإخوان المسلمين، وهو خليط من التحالفات المعقدة الدينية والقبلية والسياسية والعسكرية والتي كانت بغالبيتها جزءاً من النظام السابق.

أفسد ذلك فرصة التغيير على أسس وطنية؛ لأن فكرة الأحزاب الإسلامية تقوم على مبدأ إلغاء الآخر وإن زَعمت ظاهرياً غير ذلك. فالدكتاتورية هي وسيلة حكم قيادات هذه الأحزاب لقواعدها. ولا يؤثر التغيير في تلك القيادات على الخطوط العريضة التي تحدد سياسات تلك الأحزاب المنطلقة فكرتها الأساسية من أنّ لها الأفضلية على ما سواها سواءً في توجيه المجتمع أو في الاستئثار بالسلطة.

لم يكن انضمام حزب الإصلاح إلى ذلك الحراك إلا بدافعين رئيسيين اثنين، أولهما: الكراهية لشخص علي عبدالله صالح ونظامه، والرغبة الجامحة في الانتقام منه على (تخفيضه) لنصيبه من كعكة السلطة والثروة منذ 2006، وثانيهما: هو السعي للحصول على أكبر قدر من (امتيازات) السلطة وعوائد الثروة.

ضعوا هنا تحت كلمة (امتيازات) ثلاثة خطوط، إذ أن ما يميّز حزب الإصلاح عن جميع الأحزاب الإسلامية في البلدان الأخرى هو عدم رغبته أو استعداده في تسلّم السلطة بشكل مباشر وبالتالي تحمّل مسؤولياتها. يهدف الحزب إلى أن يكون مسيطراً من تحت الطاولة، وأن يكون الشخص أو الحزب الذي يحكم في الواجهة غير ممثل له، فإذا أحسن قال قادة الإصلاح نحن من نقف وراءه وندعمه، وإذا أساء وفشل قالوا: هو ليس منّا ولا يمثّلنا.

لهذا، لم يمانع حزب الإصلاح أن يكون من يرث الكرسي عن علي عبدالله صالح هو نائبه عبدربه منصور هادي، والذي تمكن الإصلاح من السيطرة عليه وتحويله إلى وكيل عنه في تحقيق مصالحه كما لو كان قادة الحزب هم الذين يحكمون لا هو. ولا يخفى على أحد كيف تمت أخونة معظم وظائف الدولة منذ استلام عبدربه منصور هادي للسلطة وحتى سقوط صنعاء بيد الحوثيين، وكيف كان رئيس الوزراء محمد باسندوة (والذي يتحكم بحباله حميد الأحمر) يرفض قرارات الرئيس عبدربه منصور هادي أو يتحايل عليها والشواهد على ذلك كثيرة ولا يتسع المقام لذكرها.

ومن الأمثلة المضحكة للطابع الإسلامي الساذج الذي عمل الإصلاح لتعميمه على الدولة بعد أن طبع به حراك الشباب، قيام وزارة الكهرباء مثلا بحملة إعلانية توعوية لحض المواطنين على دفع الفواتير المستحقة بعنوان: “فاتورة الكهرباء دين في رقبتك ستسأل عنه يوم القيامة”، وذلك في الوقت الذي كانت الكهرباء تنقطع عن المواطنين ليس لساعات طويلة يومياً فقط بل ولأيام عدة أحياناً!

كانت إستراتيجية قادة الإصلاح في توزيع الوظائف قائمة على مقولة يتداولونها ويعرفها الكثيرون ألا وهي “إخواننا أولى بها”. شكّلت هذه الاستراتيجية عنواناً للإقصاء قد لا يشمل الوظائف السياسية العليا التي كان الإصلاح ملزَما بتقاسمها مع شركاء آخرين بمن فيهم النظام السابق، ولكن الحديث هنا عمّا هو دون تلك الوظائف العليا في شتى مؤسسات الدولة. ولمّا كانت مؤسسة الجيش عصيّة بهيكليّتها الصلبة على أن يسيطر عليها الإصلاح بنفس الطريقة عمل جاهداً على مشروع هيكلة الجيش والذي عمل به على إقصاء القيادات العليا ذات الخبرة والكفاءة العسكرية وبالتالي سهّل القيام بتحييده عن الوقوف ضد زحف ميليشيات الحوثي من صعدة إلى صنعاء.

ورداً على سيمفونية دراويش الإصلاح ومنشديه وكتّابه الذين يصدحون ليل نهار بتراتيل معجزات 11 فبراير، ويتغنون بأنها هدية السماء، يكفي أن نحاججهم بمجرد القول: إن الحكم على الأحداث يجب أن يكون من خلال النظر إلى نتائجها، ثم
نطرح السؤال الكبير: ما هي النتائج الإيجابية لما سُمّي بثورة الشباب في اليمن؟
الإجابة هي: لا شيء. والتأكد لا يحتاج إلى جهد خارق في البحث والتنقيب، ولا يحتاج إلى قريحة العباقرة في الاستنباط أو الاستنتاج. كل ما أفرزته تلك النكبة هو خراب ودمار شامل، وقتل وذبح وتشريد وفوضى، وسقوط الدولة في براثن مشروع إيران الخبيث، وزيادة مبررات الحراك الجنوبي للانفصال بل وتعزيز قوّته وتماسكه.

أصبح الداعون إلى الانفصال قاب قوسين أو أدنى من تحقيق (مشروعهم) الانفصالي، ولكن، برغم ذلك كله، نجد كهنة الثورة ودراويشها خصوصاً من حزب الإصلاح يقدسون تلك النكبة بوصفها ثورة عظيمة تستحق الاحتفاء كل عام.

طبعاً لهم الحق في أن يروها كذلك، فالثورة بالنسبة لهم نقلتهم من القاع إلى صدارة المشهد العام، وجعلوا منها دجاجة تبيض ذهباً، وأحياناً بقرة حلوباً تدرُّ لهم الشهرة والسلطة والمال والسفر للخارج وغيرها من الامتيازات التي يحرصون عليها أكثر من حرصهم على الوصول إلى السلطة بشكل رسمي وبالتالي يعتبرون أنفسهم منتصرين إذا نالوها ولو ذهبت السلطة إلى غيرهم وأصبحوا مطرودين من وطنهم مشردين في أصقاع الأرض.
عن «العرب»