الدين لله والوطن للجميع

أحمد عبدربه
أحمد عبدربه
الدين لله والوطن للجميع​البعض يظن أن الإنسان المتدين هو الذي أطلق لحيته وهجر الملابس العادية إلى الجلباب والعمامة البيضاء والعباءة (الملابس البيضاء)، وأنه هو الذي لا يغادر المسجد ولا يتكلم إلا في الدين، ولا يهتم بشئون الحياة ومتغيراتها وتطلعاتها.. فتجد صورته غالباً محل تشكك وقلق، والحقيقة غير ذلك بالتأكيد، فالإنسان يمكن أن يكون متديناً بل وشديد الارتباط بالدين وهو يمتلك حياة اجتماعية ناجحة ويهتم بمظهره وأناقته في الأماكن التي يرتادها، ومتديناً وهو في عمله يراعي ضميره وهو يقف على سقالة أو طبيب يطبق علمه في غرفة العمليات، أو أي عمل آخر..

فالدين ليس هو الجلباب أو العمامة والملابس البيضاء -وإن كانتا منه- ولكنه منهاج حياة وأسلوب عمل لا يقتصر على مكان محدد أو فئة من الناس دون الأخرى؛ وإنما جعله الله سهلاً وميسراً لي ولك في تعاليمه وتكاليفه دون إفراط أو تفريط، وكنت أشعر بالحزن الشديد عندما أجد الأعمال الدرامية في التلفزيون لا تميل لتقديم الإنسان المتدين على أنه قيمة وقدوة، ولا تحرص على إظهاره في صورة جذابة مشرقة فيقتدي به الناس خاصة لو جاء في صورة ممثل محبوب يقوم بدور رجال أعمال ناجح حريص على دينه وعلى مقاومة نوازع في المكسب غير المشروع، فلا يرضى إلا بالحلال، ويأتي هذا المثل في صورة شاب رياضي يحب الالتزام ويقاوم الفتن بجسارة وترفع، أو فتاة جامعية رزينة ترفض مسايرة قليلين الأدب والأخلاق وتنتصر لمبادئها، وتحرص على طاعة ربها، وتجد في ذلك متعة تشعر بها كل فتاة تتابع الشاشة الصغيرة..

نحن لا نرى مثل هذه الأعمال، وإنما للأسف نرى العكس بعض الأحيان، وكأنما هناك إصرار على تلويث وإفساد أفكارنا، حيث الملتحي غالباً متشدد أو إرهابي، ورجل الأعمال المتدين غالباً أفاق ومنافق يخدع الناس بالمظهر، فلا عجب بعد ذلك أن ينفر الناس من الدين وأهله، وينجذبوا إلى النصاب الظريف أو يتعاطفوا مع الفتاة المنحرفة التي خدعها حبيبها، ونراهم يفرحون بصدق لها إذا تم الضغط على الشباب المخادع وأجبروه على إصلاح خطيئته بالزواج منها دون أن يعودوا بالشريط إلى الخلف ليكتشفوا أن المأساة وقعت أصلاً بسبب هذا الخواء الأسري والديني الذي أوقع الفريسة في الهاوية، وصورها على أنها ضحية لقيم المجتمع الفاسدة!!.

ترى هل جاء الوقت لمؤلفينا وكتبتنا العظام ليأخذوا بيد الفضيلة والإخلاص ومجاهدة النفس فيقدموها في أعمالهم وينسبوها إلى أبيها الشرعي، وهو الدين، حتى لا يخاف المجتمع منه، وحتى تعود إلينا الرؤية الرشيدة للدين الذي جعل الله الارتباط به سبباً في سعادة الدنيا والآخرة.

لا كهانة ولا مشايخ في الدين الإسلامي، فهذا الدين العظيم احترم العقل الإنساني ويحتكم إليه المسلم، إن أصاب فله أجران، وإن أخطى فله أجر، فلا وصاية من مسلم على آخر بالتكفير أو الغفران، ولا فرض لخرافات تسيء إلى الإسلام من المحسوبين شكلاً على الإسلام.

نحن نعرف ويعرف ويعلم كل مسلم مستنير أن الإسلام دين حضارة ومدنية يدعو إلى الأخوة الإنسانية والتعاون والتراحم والتكافل بين جميع البشر، كما نوضح هنا ونقول: لا سلطة دينية في الإسلام، فالإسلام هدم بناء السلطة الدينية ومحا أثرها حتى لم يبقَ لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم، والإسلام لم يدع لأحد بعد الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، وأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان مبلّغاً ومذكراً لا مهيمناً ولا مسيطراً، ولم يجعل لأحد من أهله سلطة أن يحل ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء. وكم نحبذ من خطباء الجمعة بأنهم مطالبون بالتركيز أكثر على فئة الشباب وشدهم نحو مبادئ الإسلام المضيئة والمعتدلة.. والدين لله، والوطن للجميع.