الجنوب.. والمشكلة اليمنية!!

عبود الشعبي

*
عبود الشعبي
عبود الشعبي
عجزنا عن الاتفاق منذ أكثر من 60 عاماً من عمر الثورات ضد الاستعمار الأجنبي.
 وليس الفشل في الاتفاق الآن وليد اللحظة الراهنة، بل هو قديم توارثته النُخَب منذ عقود من “النفاق السياسي” أوصلها إلى هذه الدرجة من الفجور في الخصومة.

* والمذهل أن الأطراف المتصارعة في أقطارنا العربية تلجأ لوسطاء من الغرب، موطن المستعمر القديم للشرق العربي، لفض النزاعات بينها.
ولا يرى هذا الوسيط في أنظمتنا هذه بعد ثورات التحرر إلاّ كونها “المستعمر الوطني” بدليل انتفاضة الشعوب ضدها منذ 2011 بعد أن عجزت هذه الشعوب عن التغيير عبر صناديق الاقتراع في انتخابات الديمقراطية العربية..!

وقد لخّص عبد الله البردوني الحال العربي مع الاستعمار بقوله:
“فمن مستعمرٍ غازٍ
إلى مستعمرٍ وطني”.
* إن هذا الانقسام والشرخ في العلاقات بين النُخَب وبين الأنظمة والشعوب لم يكن سببه الغرب، وإنما المستعمر الوطني المستبد.
ويشير إلى هذه الحقيقة أن المختلفين من النُخَب في أقطارنا العربية جعلوا من بلاد المستعمر الأوروبي صندوقاً لبث شكاويهم التي لا تتوقف.. ومشارعاتهم التي ملأت العالم ضجيجاً وربما أثرت في ثقب الأوزون!

* أما الشمال اليمني فوقع منذ 1918م تحت حكم إمامي كهنوتي في ظاهرة متفردة بالسبَق في حيازة “مستعمر داخلي” متخلف في وقت مبكّر تمثل في شخصية الإمام يحيى حميد الدين، في الوقت الذي كانت تخضع بقية الأقطار العربية للاستعمار الأوروبي المتحضِّر.
* ولعل مصيبة اليمنيين اليوم تكمن في هذه الحلقة.. فعبد الملك الحوثي لا يرى غضاضة في خرق اتفاقات السلام كونه يرى نفسه صاحب الحق في الحاكمية والوريث الشرعي لجدِّه الإمام الأول!

وربما أراد أن يقول: نحنُ نحكم اليمن حتى بعد 26 سبتمبر عام 62م بعباءة الجمهورية.. ضارباً عرض الحائط بنضالات الأحرار الذين ثاروا ضد الكهنوت المتخلف.
* ولقد بدأ واضحاً خلال الأربع السنوات الماضية من الحرب طغيان الثقافة الإمامية وتأثيرها في أوساط أبناء الشمال، ما يرجح أنها كانت “تعمل” خفية بغطاء الجمهورية التي سقطت في أول ساعة من دخول الحوثي العاصمة صنعاء وجعلها في قبضته!

* ولعل طرد الحوثي في زمن قياسي بعد اجتياحه الجنوب عام 2015م من قبل المقاومة الجنوبية، وبإسناد من التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، يؤكد هذه الحقيقة المُرّة.. الأمر الذي خلق بوناً شاسعاً في طريقة التصدي للانقلاب الحوثي على الشرعية بين الشمال والجنوب.
* وتمايزت بكل وضوح أثناء الحرب ثقافتان متغايرتان تجاه الانقلاب، ساهمت إطالة أمد الحرب في تكريسها وزيادة فجوتها. وهو ما دعا أبناء الجنوب كما يبدو لخلق كيانات جنوبية جديدة تنأى بنفسها عن هذه الثقافة وتنشد الاستقلال.

* لكن سيبقى من الأهمية بمكان أن تضع هذه الكيانات وفي مقدمتها “المجلس الانتقالي” يدها في يد الرئيس هادي للتصدي أولاً للمشكلة اليمنية الراهنة المتمثلة في الحوثي الذي لا يأمن شره أبناء الجنوب حتى على المدى البعيد، لاسيما وأن مؤتمر حضرموت قد أكد على هذا الموقف النابع من قيم الأصالة لأبناء الجنوب العربي الذين لن يعجزهم انتزاع حل شامل لقضيتهم الكبرى “الجنوب” يكون محل رضا الشعب ومكوناته السياسية الفاعلة.