ماذا بعد "جلسة سيئون" ؟

جمال مسعود

جمال مسعود
جمال مسعود
يتعرض الجنوب لهجوم دائم من قبل عدة جهات منها ما هو ظاهر ومباشر ومنها ما هو خفي غير مباشر، وكما هو معروف للعيان قدرة الجنوبيين على التصدي للهجوم ومواجهته بشتى الوسائل، فهم شعب عنيد صاحب أنفة وكبرياء لا يقبل الضيم، يصبر ويحتمل الضغط والهجوم وينكسر أحيانا وفق التوازن الطبيعي لمبدأ القوة والضعف، لكنه لا يخضع ولا يخنع، ولعل الصورة التي التقطها أحد الصحفيين للمواطن الجنوبي الأعزل شامخ الهامة عزيز النفس وهو يتعرض لاعتداء الجنود البريطانيين في شوارع عدن وهو يردد بلسان باقية لديه تتمتع بالحرية بعد أن قيد الجنود البريطانيين حركته الجسدية وهم يجرونه بعنف ويوقعونه أرضا ويضربونه بأعقاب البنادق وهو يردد ترانيم العزة والشموخ الإنساني "أنا إنسان أنا إنسان".. خرجت بريطانيا من الجنوب بعد أن احتملت فترة احتلال 129عاما وانتهت فترة الاحتلال وإن كانت طويلة.

آلت مقاليد الحكم للجنوبيين يديرون شؤونهم من 1967- 1990م خاضوا تجربة مريرة من التحدي والصراع والبناء والتعمير، نجحوا في جوانب وأخفقوا في أخرى، لكن أبرز ما فيها هو إرساء دعائم الدولة المؤسسية وتعزيز النظام والقانون، لكن صراع الرفاق أعاقها وجرها نحو مشروع الضم والإلحاق وعودة الفرع إلى الأصل كما يقول اليمنيون في 22 مايو 1990م، فوقع الجنوب والجنوبيون في قبضة المحتل اليمني 1990 - 2015م ويعود الجنوب مرة أخرى للهيمنة والاستعمار بصورة أخرى كتمت أنفاسه ليتمكن في "عاصفة الحزم" من أن يتنفس نسائم التحرير مرة أخرى بعد أن غادر جنود الأمن المركزي اليمني والحرس الجمهوري ومليشيات الحوثيين مدحورين من أرض الجنوب محافظة محافظة وتؤول الأمور لأبناء الجنوب مجددا يديرون أنفسهم بأنفسهم، غير أن هذه المرحلة ليست كسابقاتها من فترات التحرير وطرد المحتل، فهذه الفترة خرج المحتل فقط ولم يخرج الاحتلال ولم تعاد الدولة، فظل الجنوب بلا هوية.. لا يمني ولا جنوبي غارق في دوامة التكهنات والتسول السياسي لمساندة حق الشعب الجنوبي باستعادة دولته وهي بيده.. ولعل الساسة الجنوبيين يكتمون أمرا خفيا لم يصارحوا به الشعب واحتمال تعرضهم لصدمة قوية هدتهم فكتموا أوجاعهم من قوتها حتى لا يحبط الشعب ويتذمر ويفقد الأمل بالمستقبل المشرق القريب والمتوقع.

إن الإجراءات الإدارية والحراك السياسي الذي تمارسه قوى التطبيع اليمني في الجنوب بعد أن كان محظورا ويتخوف منفذوه من الكشف عنه والمجاهرة بذكره ها هم اليوم يصولون ويجولون ويصدرون قرارات وتوجيهات وينفذها عناصرهم بشكل طبيعي ويمارس الساسة اليمنيون نشاطهم اليمني المباشر داخل أرض الجنوب بحرية، وهو ما لم يتمكنوا منه قبل سنة أو سنتين، فمجلس النواب اليمني عقد أولى جلساته في سيئون حضرموت ليمثل انعقاد جلسات البرلمان اليمني في الجنوب التطبيع التام لليمننة على مشروع استعادة الدولة المتراجع بغموض المواقف والتصرفات الجنوبية الضبابية، فماذا بعد انعقاد جلسة مجلس النواب وعودة الأشقاء أعداء الأمس ووطئهم أرض الحضارة حضرموت.. هل سننتظر عودة ألوية الأمن المركزي وأخواتها اليمنيات المنشأ والموقف والعداء التاريخي للجنوب؟!.. فهل كانت الحرب تمرد على الشرعية وتخلصت الشرعية منها تحت غطاء الانقلاب الحوثي الطعم الذي أكله الجنوبيون.