الأغنية الوطنية.. أين هي؟

مختار مقطري

المرشدي
المرشدي
ظلت الأغنية الوطنية، طوال عقدي الخمسينات والستينات وحتى منتصف السبعينات، في بلادنا الجنوب، تنافس الأغنية العاطفية منافسة شديدة، وتقدم في الحفلات العامة مثلها، وكان فخر الفنان الجنوبي أن يقدم أغنية وطنية رائعة، يعبر فيها عن مشاعر الجماهير الوطنية، وفي نفس الوقت يشحن نصها بلحن طربي جميل، وجمل لحنية غاية في العذوبة، وليس لحناً (أي كلام) كما يحدث اليوم.

واللافت أن كبار الشعراء المنشغلين بالقصيدة الفصيحة، مثل الجرادة ولطفي وإدريس حنبلة، أسهموا في كتابة النص الغنائي العامي، وأيضا القصيدة الفصيحة المغناة، لأن تأليفها يختلف عن القصيدة المقروءة.

وكانت الأغنية الوطنية تنفجر كقنبلة، ويتعرض الفنان للاعتقال من قِبل جنود الاحتلال البريطاني، وكان الجمهور يترقب سماع أغنية وطنية من أي فنان، لأنه يتوقع أن يثور، وعلى سبيل المثال، أحدثت أغنية المرشدي (أخي كبّلوني)، شعر: لطفي جعفر أمان، زلزالاً بين الجمهور، وعليه نجا المرشدي مما كان يدبر له، وعاشت الأغنية إلى اليوم، بكلماتها ولحنها.

والأغنية الوطنية تتحدث عن الوطن، شيء بديهي، تتحدث عن جماله الطبيعي، عن تاريخه، عن عاداته وتقاليده، عن صراعه مع الطبيعة، عن دينه ومعتقداته، عن صراعه مع الجغرافيا ومع الطبيعة ومع الزمن، عن مقاومته، عن انتصاراته وهزائمه، تتحدث عن إنجازاته.. إلخ.

ومنذ النصف الثاني لعقد السبعينيات، لم يعد لنا في الجنوب أغان وطنية، فقد حلت محلها أغانٍ تتغنى بنظام الحكم الواحد، ولا شك أن بعضاً من فنانينا كانوا مضطرين لتقديمها، ونظراً لأهمية التغني بإنجازات النظام، فقد غنينا على كل شيء، حتى شعارات المرور ولجان الدفاع الشعبي.

وبعد الوحدة الضيزى، غنينا أغاني مملكة سبأ، بصورة رمزية للمديح والتطبيل، وأصبحت أغنية مملكة سبأ بتخلفها وقدمها وأوتارها المهترئة، هي الأغنية الملكة، وقُتل موسيقار الجنوب الكبير أحمد بن أحمد قاسم في حادث سيارة، بمحافظة شمالية، وكان أحد زعماء الأغنية في الجنوب وعلى مستوى الوطن العربي، والأغنية الوطنية تحديداً، وقدم خلاصة فكره في ملحمة (يا مزهري الحزين)، وبعد مقتله، ضاع فنانونا الجنوبيون في صنعاء لأسباب كثيرة، منها “أن ظروفهم كانت صعبة”.

ونحن اليوم، وفي نضالنا لبناء دولتنا من جديد، وفي هذه الحرب الملعونة، بحاجة للأغنية الوطنية، ولكننا لا نهتم بالأغنية عموماً، ولا نهتم بالفنان، لا مسارح لا تسجيلات تلفزيونية، ولا إذاعية ولا شركات إنتاج جنوبية تحب الجنوب والفنان الجنوبي، وقد ابتعد فنانونا عن الغناء، ولم يعد أمامهم غير الأعراس، التي يقدمون فيها الأغاني القديمة، بينما نحن نحتاج لأغانٍ وطنية حديثة، تعزفها فرق موسيقية كبيرة، وبنصوص شعرية تجديدية، ولا مانع من استلهام التراث الجنوبي والزوامل الشعبية.​