الكوليرا في اليمن.. وباء يفتك حتى بالأطباء

صفية مهدي

الكوليرا في اليمن.. وباء يفتك حتى بالأطباء
الكوليرا في اليمن.. وباء يفتك حتى بالأطباء
أضاف وباء الكوليرا بعداً أشد عتمة إلى المشهد اليمني المبتلى بالحرب والجوع والفقر المدقع. الوباء الفتاك الذي ينتشر عبر المياه والأغذية، بات لا يستثني الأطباء العاملين على علاج المصابين.

 “شعورٌ صعبٌ أن يموت طفلك بين يديك وأنت تنظر إليه، غير قادرٍ على إنقاذه”، يقول اليمني عبدالملك محمد حسن، وهو واحد من ألوف اليمنيين، اجتاحت موجة جديدة من وباء الكوليرا حياتهم لتحيلها لمأساة، فيما يعيش الملايين من سكان البلاد رعباً متزايداً، من الوباء الفتاك الذي ينتشر عبر الماء والغذاء ولا يستثني حتى الأطباء.

تعيش أسرة عبدالملك، في إحدى المناطق الريفية بمحافظة المحويت، شمال غرب العاصمة صنعاء، ويوضح الأب لـ DW عربية أنه بعد إصابة طفله “فتح الله”، البالغ من العمر 12 شهراً بالكوليرا جراء المياه الملوثة، حاول إسعافه إلا أن المسافة الفاصلة بين منزله وأقرب المراكز الطبية المتخصصة أجهزت على حياه طفله.

وفي خضم سرده تفاصيل إسعاف طفله، وكيف أن صعوبة التنقل والطرق الوعرة الغالبة في الريف منعت إنقاذه، يؤكد “حسن” أن الموت ليس مصيراً محتوماً دائماً، إذ أنّ الطفلة "ريماس"، وعمرها عام واحد، وهي ابنة شقيقه، أصيبت بالكوليرا وتم إسعافها إلى المركز نفسه لينقذ حياتها.


في المدن أيضاً، الموجة العنيفة من الكوليرا والتي تصاعدت منذ مطلع العام الجاري، كادت أن تودي بعدد من أفراد أسرة منصور حمود (في الخمسينيات من العمر)، بمحافظة إب، حيث يروي لـ DW أن السبب كان فاكهة اشتراها ظهراً من وسط المدينة وبمجرد عودته وبدء تناولها عاش ساعات عصيبة بين الحياة والموت إلى جانب اثنين من أفراد أسرته، حيث جرى إسعاف الثلاثة إلى مستشفى لم تكن تتوفر فيه إمكانات إسعافهم، بما استدعى نقلهم إلى مركز آخر أنقذ حياتهم، ومع ذلك لا يزال يعاني آثار الإصابة على الرغم من مرور أسابيع.

الكوليرا تقتل الطبيب
أما في صنعاء التي سجلت عدداً كبيراً من الإصابات في الشهور الأخيرة، كان التجلي الأبرز للكارثة ولحالة الرعب التي يعيشها السكان، وفاة طبيب، وهو د. محمد عبدالواحد عبد المغني (63 عاماً)، حيث كان يعمل في علاج أمراض الإسهال المائي والكوليرا في مستشفى “السبعين” الخاص بالأطفال، منذ نحو عامين، إلا أن خبرته الطبية وعلاقته المباشرة بالدواء والمراكز المعنية لم تقه من براثن الوباء الذي يعالجه، لقي حتفه.

ويوضح عمرو، وهو نجل الطبيب عبد المغني لـ DW، أنّ والده استيقظ فجر الثالث والعشرين من مارس المنصرم ليتوجه للمركز الطبي الذي يعالج فيه مرضى الكوليرا، وحينها كانت قد بدت عليه أعراض المرض، الإسهال المائي الحاد، والمرجح انتقاله من أحد المرضى. وعندما أجرى الفحوصات اللازمة تأكد أنه مصاب، استمر أياماً يعتني فيها بحالته التي تدهورت وبمرضاه في الوقت ذاته، ليفارق الحياة بعد خمسة أيامٍ من إصابته من المرض.

“فاجعة ومصيبة حلت علينا، لم نكن نتوقع ولم نستوعب ما حصل حتى الآن، كان كل شيء بالنسبة لنا”، يضيف عمرو. ومما زاد مأساة أسرته، أنه لم يكن يعمل بالمستشفى بوظيفة رسمية تضمن مستحقات لأسرته، بقدر ما كان يتسلم مرتباته الشهرية خلال عامين من محاربة الكوليرا من منظمة اليونيسيف التي تدعم المستشفى، ولم تلقَ عائلته من الرعاية ما لقيته الحادثة من اهتمام في وسائل الإعلام.

حالة طوارئ داخلية
على الرغم من أن وباء الكوليرا لم يستثنِ أغلب المدن اليمنية، إلا أن المدن المزدحمة بالسكان شمال ووسط وغرب البلاد، تعد الأكثر تأثراً، واعتباراً من السابع من أبريل الجاري، أعلنت وزارة الصحة اليمنية الخاضعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، حالة الطوارئ الداخلية لمواجهة وباء الكوليرا، في حين باتت فيه المراكز الطبية والمستشفيات تعج بالمرضى ومرافقيهم منذ أسابيع، على نحوٍ استدعى إنشاء مخيمات ومراكز استقبال إضافية طارئة بأكثر من مدينة.

مخيمات ومراكز استقبال إضافية طارئة
مخيمات ومراكز استقبال إضافية طارئة

وتقول لـ DW عربية، ريم سراج، وهي طبيبة تعالج في أحد المراكز المستحدثة بصنعاء: “إن الطواقم الطبية تستقبل متوسط 20 إلى 25 حالة مرضية يومياً، وتضيف: “نستقبل ونعالج أي حالة إسهال مائي حاد، حيث نجري عملية  فحص سريع خلال ثوانٍ، يليها فرز للمرضى وتعويض المحتاجين للسوائل عن طريق المحاليل الوريدية أو محلول الإرواء، رغم شحة هذه المحاليل والإمكانيات المحدودة للمركز”.

مضاعفات الأزمة الإنسانية
تتفق أغلب تقييمات الأطباء والمسؤولين والمنظمات العاملة في اليمن، على أن الموجة الجديدة من الكوليرا، تعد حصيلة مجموعة من الأسباب، يتصدرها الوضع الإنساني المتردي الذي يعيشه أغلب سكان البلاد كنتيجة لـ“انهيار المرافق الصحية، وانعدام خدمات المياه والصرف الصحي”، وفقاً لمنظمة الصحة الدولية. ويرجع المتحدث باسم وزارة الصحة في صنعاء، د. يوسف الحاضري، تفشي الكوليرا بهذه الصورة، إلى تراكمات أربعة أعوام من الحرب أو ما يصفه بـ “العدوان” والحصار المفروض من التحالف بقيادة السعودية، حسب وصفه، وكنتيجة لتدمير البنية التحتية والمنشآت الصحية والمنشآت المائية والصرف الصحي.

ويلخص الحاضري الجهود المبذولة حالياً لمواجهة الوباء، بإجراءات تتولاها كلٌ من وزارتي الصحة والمياه، بالإضافة إلى الجهود والدعم المقدم من المنظمات الدولية العاملة في اليمن، ويقول: “إن دعم الأخيرة، وإن كان لا يرتقي إلى مواكبة التحديات كاملة، ولكن يشكرون عليه ويحتاج إلى المزيد”.

الأطفال أقل مقاومة
وفقاً للمتحدث باسم وزارة الصحة، فإنه حتى السابع من أبريل الجاري، رصدت الوزارة (391) حالة وفاة، من أصل (1190) حالة إصابة، في حين بلغت الوفيات منذ أول موجة للكوليرا في العام 2017 وحتى الشهر الجاري 3200 وفاة وأكثر من مليون ونصف حالة إصابة واشتباه.

وضمن أحدث الإحصائيات، أفاد بيان صادر عن “منظمة الإغاثة الإسلامية”، الخميس، أنه تم الإبلاغ عن أكثر من (120) ألف حالة اشتباه بالمرض، وجرى التأكد من (1640) إصابة منها، كاشفاً أنّ كثيراً من الحالات وقعت في صفوف الأطفال، دون سن الخامسة، والذين يعانون سوء التغذية بما يجعلهم أقل قدرة على مقاومة المرض.
عن “القناة الألمانية” DW​