أحمد محسن.. البكاء بين يدي مداح القمر ..!

محمد العولقي

الكابتن أحمد محسن مع فقيد الصحافة الأستاذ هشام باشراحيل
الكابتن أحمد محسن مع فقيد الصحافة الأستاذ هشام باشراحيل
محمد العولقي
محمد العولقي
* عندما يتوعك الكابتن (أحمد محسن أحمد) قائد فريق نادي الجزيرة .. رئيس نادي شمسان .. أمين عام اتحاد الكرة .. مؤرخ تاريخ كرة القدم الجنوبية .. سمه ما شئت .. يتوجع التاريخ الرياضي ، وتحتضر لوعكته الطارئة كل الحروف والأرقام.
* كان الكابتن (أحمد محسن) في أيام سادت مهاجماً شرساً ، تبدأ خطورته من سرعة بديهته وحدسه في التحرك بدون كرة ، ويبدو أن هذه الشراسة قد لازمته في محنته المرضية الصعبة ، فتحولت الوعكة إلى هجمة مرضية مرتدة أجبرته أخيراً على الاستسلام لمشارط ملائكة الرحمة بعد رحلة طويلة من الآلام والوجع الصامت.

* نشعر كلنا (نحن الرياضيين) أن محنة (أحمد محسن) هي محنة وطن رياضي مغتصب ، محنة من عرفوا (المحسني) لاعباً حريفاً وغزالاً رشيقاً ، محنة شعب جنوبي رياضي تفتح وعيه على أمانة هذا الدينامو الإداري الذي لا يهدأ فكراً وسلوكاً ونبضاً احترافياً لا يقدر بثمن .. استسلم عمنا (أحمد محسن) للمحاليل والتحاليل والمستشفيات الخاصة التي نظفت جيبه وجيب أسرته البسيطة التي تعيش على الستر ، وطارت محنة هذا العلم الكروي الإداري الفذ إلى بيوت البسطاء من محبيه وعشاقه ، نالت محنته المرضية الصعبة من معنويات معجبيه ، وتصاعدت حالته الحرجة وبلغت كل ديار ليلى المريضة في العراق ، طبعاً باستثناء القيادات الكرتونية الهلامية اليمنية التي تتألق في شفط حقوق الأساطير ، وهي ترفع شعار : إن شفت شي في طريقك وأعجبك شله.

* يتألم الكابتن أحمد محسن فيشاركه تاريخنا الرياضي أنين الليالي الحالكات السواد ، يتأوه (أحمد محسن) من غدر ذوي القربى ، فيفرغ التاريخ شحنة من الدمع الهتون على خد مداح القمر .. والذي يجهل تاريخ (أحمد محسن) المتنوع المهام والمتعدد الخصال ، لا يمكن أن يكون جنوبياً معاصراً أو يمنياً متابعاً ، من لا يعلم حقيقة أن (أحمد محسن) قامة وقمة ومقامة دخيل على رياضتنا ، لا يعرف كوع الإدارة الرياضية من بوعها.

* في هذا الوطن المليء بالغربان والبوم والجراد البشري مخجل جداً أن يعرف السياسي الفهلوي الذي يسرق عرقنا بالواسطة عنوان بيت الراقصة اللولبية ( دينا) ، ويحفظ كل تاريخها في (الهشك بشك) ، لكنه لا يعرف تاريخ الكابتن (أحمد محسن) ، ولا من يكون ؟ وماذا فعل ؟ وقد كان هذا السياسي المتلون يعيش في (البامبرز) عندما كان (أحمد محسن) يحاضر في الملاعب الجنوبية لاعباً ثم إدارياً لا يشق له غبار.

* ينتصب (أحمد محسن) بيننا وبموازينه الرياضية التي ثقلت جبلاً جنوبياً شامخاً لم تؤثر فيه صروف التعرية ، يقف بمآثره البطولية برجاً مشيداً يلامس عنان السماء ، فحتى في لحظاته الحرجة مع المرض لم تخفض هامته ولم يلق باللائمة على غدر الأصحاب ، وما أكثر الأصحاب في المناصب حين تعدهم لكنهم في النائبات قليل.
* حاشا وكلا أن ننسى أو نتناسى قمر تاريخنا الرياضي ، فلسنا من قوم (أبي تمام) الذين لم يتذكروه إلا في الليلة الظلماء ، وحين جد جدهم ، سيبقى (أحمد محسن) ونيسنا في عزلتنا ، غيثنا في سنوات الجدب الأخلاقي ، ملحنا وسكرنا ، نورنا وفجرنا الذي سيولد من رحم معاناة ليلنا الطويل الرابض على قلونا كجلمود صخر حطه السيل من عل.

* لم يتبق من أبطال ملاحمنا الكروية إلا قليلون ، منهم من قضى نحبه معزولاً في ظل (البيكيمونات) السياسية التي عبث بكل شيء ، ومنهم من ينتظر مصيره على فراش المرض دون زنبقة ذكرى .. إذا كان هناك رجل أدخل الكرة الجنوبية العالمية من الباب الواسع ، فلن يكون هذا الفارس سوى (أحمد محسن) ، فهذا الفارس الذي جعل للأمانة العامة هيبة ومكانة هو من أدخلنا بطولات كأس العالم ، حينما شارك الجنوب في تصفيات كأس العالم ذهاباً وإياباً أمام منتخب البحرين.

* لست هنا في وارد سرد قصته الشهيرة مع البرازيلي (جواو هافيلانج) رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الأسبق ، ولا كشف النقاب عن الطريقة التي نجح بواسطتها من تجنيب (الفيفا) فخ الفرقاء السياسيين بمهارة إداري مقتدر كسب كل التقدير والاحترام من (الفيفا) والمتخاصمين ، لأن الغوص في محيط هذه الحكاية التي تحبس الأنفاس تحتاج إلى مجلد كامل يفي تلك الحكاية حقها الكامل.

* يحز في نفسي أن الرجل الذي صنع للأمانة العامة والكرة الجنوبية شيئاً من لا شيء يئن على فراش المرض بصمت تتقاذفه أيادي الأطباء ، وتحتويه غرف العمليات الكئيبة بصورة تدمي قلب كل من عرف عفة وطهارة وحلاوة روح هذا الإنسان المبدع الذي يقطر حركة وبركة ومبادرات لا حصر لها.
* والله يصعب علي أن يلعق أحمد محسن صبر معاناته المرضية وحيداً بعد أن تفرق عنه شمل الذين أحبهم وبقي على سرير المرض عليلاً مهموماً مثل السيف فرداً ، وسط تجاهل من قيادات رياضية هلامية تركض ركض الوحوش خلف بطون لا تشبع ونفوس لا تقنع.

* البلد الذي يكون شاهد عيان على ظلم ذوي القربى لهذا الرجل المعطاء ، لا يستحق أن يعيش على مياهه الجوفية ورقعته البرية مبدعاً واحداً .. البلد الذي لا يسمع نحيب رمز من رموزه البارزة ولا يحفظ سيرة فارس عاش حياته بطلاً في خدمته ، لا يستحق إلا أن يكون موطناً لقراصنة من اللصوص الذين يسطون على حقوق الفرسان النبلاء دون ذرة خجل.
* (أحمد محسن) وهو يبتسم في محنته لا يطلب من ناهبي أرضنا الرياضية معونة أو مساعدة أو حتى اتصال بعيد المدى يجبر الكسر والخاطر .. لا يطلب منكم أيها المتطحلبون الجدد حسنة أو صدقة ، فقد دأب حتى في عز محنته على العطاء دون أن يطلب مقابلاً.

* لست وحدك يا كابتن (أحمد) في محنتك المرضية ، فقلوبنا معك ثانية بثانية ولو حتى تروح آخر الدنيا ، دعنا نخبئ ليلنا العاري في مقلتيك ، دعنا نمارس طقوس البكاء بين يدي مداح القمر ، بعدها انصت من فضلك على فراش مرضك ، ستسمع نبضات قلوبنا تغني لك مع (كاظم الساهر) : سلامتك من الآه ..!​