بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية

أحمد عبدربه علوي

يعتبر ارتباط مخرجات التعليم باحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بديهية ضمن أدبيات التنمية، فهذه المعادلة تجسد في النهاية طلباً فعالاً على القوى العاملة يقابله عرض يتناسب وطبيعة هذا الطلب، فتكون حالة الانسجام بين شقي المعادلة من عرض وطلب كفيله بأن تحقق نسبة تشغيل عالية، لا بل يذهب علماء الاقتصاد إلى القول إن توازن الاقتصاد الوطني يتم من خلال هذه المعادلة حتى وإن لم تتحقق حالة التشغيل الكامل، وبالرغم من أهمية هذه المعادلة غير أنه علينا أن نعترف أن تطبيقها لا يعتبر سهلاً، وأنها معادلة لا تتحقق على المدى القصير، وأن تجارب الدول في تطبيق هذه المعادلة لم يسجل حالة تطابق كاملة؛ بل بقيت هناك فجوة غير قابلة للتحقيق انعكست في ديمومة نسبة البطالة بين القوى العاملة، ومن هنا نقول إن رفع هذا الشعار والعمل على تطبيق هذه المعادلة يتطلب خطة شاملة للتدريب والتأهيل مثلما يتطلب قبل كل ذلك حالة انتقاء راشدة للفرع المنوي دراسته في المرحلة الجامعية، وقبل هذا وذاك فالمطلوب ليس فقط انتقاء المبحث المناسب لميول الطالب أو لرغبته أو لتقدير حاجة السوق إليه، بل إن الأصل في هذه المعاملة هو التميز والإبداع، فعندما يكون جانب المخرجات التعليمية على سوية عالية وذات إبداعات واضحة، فإن هذا في حد ذاته يخلق طلباً على هذا المبحث أو ذاك، وهذا الأمر يذكرنا بتلك النظرية الاقتصادية التي تقول إن العرض المتميز يخلق الطلب الفعال عليه.

فالحديث عن التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة وضرورة دعمها في هذه المرحلة، وكذلك ضرورة توفير التمويل اللازم لها، وإيجاد الغطاء اللازم لكفالة تقديم الائتمان إلى هذه المشاريع وإلى تلك الأنماط من المشاريع ذات التميز الفردي أو حتى تلك التي توصف برأس المال المخاطر، كل هذه الأنماط من المشاريع ومن التمويل يكون متاحاً عندما تتوفر صفة الإبداع والتميز، فالذي يملك الفكرة والقدرة على ترجمتها إلى واقع يكون قد قطع شوطاً في الحصول على التمويل لهذا المشروع الصغير، وحتى لو لم يكن الأمر يتعلق بمبادرة فردية على صعيد إنشاء مشروع، فإن الموظف القادر على أن يطور وظيفته إنما يفتح آفاقاً من الطلب على مخرجات هذه الوظيفة لم تكن قائمة من قبل الأمر الذي يزيد من الطلب على القوى العاملة؛ لا بل يدفع المؤسسة التي يعمل بها إلى أن تندفع أكثر نحو مزيد من الطلب على مثل هذه القوى العاملة طمعاً في إنتاج متميز، وبالتالي في تحقيق الربح التي تهدف إليه.

ومن هنا نقول إن معادلة التوافق بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية هي مفصل هام وأساسي في التخفيف من البطالة خاصة بين صفوف الخريجين والمثقفين، غير أننا نقول أيضاً إن مهمة تحقيق هذه المعادلة لا تقف فقط عند حدود الجامعات ومؤسسات التدريب؛ بل هي مهمة تقع بالأساس على الفرد، وما لم يتحل الفرد بالقدرة على اتخاذ القرار الراشد لتخصصه وبإرادته القوية في أن يبدع، وأن يكون متميزاً، فعندها لن تكون هناك سرعة في تجاوب آليات تطبيق هذه المعادلة؛ بل علينا دائماً أن نتذكر أن الطالب المتميز والعامل المبدع الخلاق هو الأساس في خلق الطلب الفعال، وبالتالي في تمكين هذه المعادلة من أن تجد طريقها إلى التطبيق.

أخيراً نقول: الشيء الجيد يُباع - والسيء يحتاج إلى الإعلان، وهذا ما نشاهده اليوم في أكثر من مكان.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى