زواج عرفي.. قصة قصيرة

أمينة جبر محمد

(1)
"بعدما فرَغ من عمله اليومي، أخَذ سيَّارته وذهَب مُسرعًا إلى الصائغ؛ كي يشتري لزوجته قلادةً تحملُ قلبًا نُقِشَت به صورة زفافِهما -فهذه أُمنيتُها- كي يُقدِّمه لها في الذكرى الرابعة والعشرين لمولدِها، وعندما عاد لمنزله وجَدها تنتظره، تحملُ في وجهها ابتسامةً -بالرغم من شعورها بالألم- أنْسَته مَشقَّة عمله، كانت هذه الابتسامة كالتي رُسِمت على وجهها عندما تلاقَت عيناهما في حفلِ زفاف أُخته منذ عامين، وبالرغم من أنَّها لَم تكن المرَّة الأولى التي يراها فيها، إلاَّ أنَّها أَسَرتْه، فسافر في بحرِ عينيها ووجَدها على شاطئ تنتظره مُرتديةً ثوبًا أبيضَ، نُثِرت حوله أجملُ الورد، لَم يتردَّد في أن يرسوَ على ذلك الشاطئ الذي لَم يُغادره منذ تلك الليلة، وعندما جاءت الثانية عشرة قدَّم لها الهديَّة، فَرِحت بها كثيرًا، لكنَّها لَم تستطع تحمُّل كلَّ تلك الآلام، ذهبَا مُسرعين إلى المشفى، أخبَره الطبيب أنَّها ستَلد ولكنَّ ولادتها عسيرة بعض الشيء، جلس "محمد" يدعو الله أن يُعين زوجته الحبيبة "أُمنية" وأن يُتمَّ سلامتها".

(2)
"في قريته وقبل عشر سنين، كان "محمد" عائدًا من الكلية، كان يشعرُ أنَّه يطوفُ السماء على أعلى نجمٍ فيها، فها هو قد نجَح في عامه الأول في كليَّة الهندسة، والتي كانت له بمثابة عالَم جديدٍ ومُختلف عن مدرسته بالقرية، مواد تعليميَّة مُعقَّدة عن سابقتها، أبحاثٌ كثيرة، وأصدقاء جُدد، لكنَّهم أعانوه على ما لاقاه، أسرع "محمد" ليرتدي أجمل ثيابه، وذهَب مع أُسرته إلى منزلِ عمِّه ومعه هديَّة جميلة أحْضَرها مما يدَّخره من مصروفه لابنة عمِّه "زهرة"، فاليوم الذكرى الرابعة عشرة لمولدِها، عندما رآها فَرِح كثيرًا، وأخَذَا يتحدَّثان عن دراستهما، فهي مُقبلة على الصف الأول الثانوي، عالَم مختلف أيضًا عمَّا كانت فيه، لكنَّهما آثَرَا أن يَنسيَا هذه المتاعب، تبادَلا أجمل الكلمات الرقيقة مصحوبة بابتسامات ماسِيَّة، جلَس والداهما أمام جميع أفراد العائلة والأصحاب وتعاهَدا على تزويجهما، لكن بدون أوراق رسميَّة وبدون شيخ يكتب عقدًا للزواج، فهما ما زالا قاصرين، صفَّق الجميع، ثم أطْفَوا الشموع".

(3)
"بعد عامٍ من العناء، ذهب "محمد" مسرعًا للمشفى بعدما جاءَته مكالمةٌ هاتفيَّة من والدِه، يُخبره فيها أنَّ "زهرة" تَلِد، ولكنَّه عندما وصل للمشفى وجدَهم يبكون، لَم تَعُد زهرة موجودة في البستان، كما أنَّ البرعم الذي كان سيَخلُفها لن يرى الشمس قطُّ".

(4)
"المطرُ ينهمرُ بغزارة عندما كان يبكي داعيًا الله أن يتمَّ سلامة أُمنيته الحبيبة، بدا الرواقُ كأنَّه صحراء قاحلة، لكنَّ خيالاً لشخصٍ ما يرتدي ثوبًا أبيضَ أتى إليه يُخبره أنَّه رُزِق بتَوْءَمين، فَرِح كثيرًا، حَمِد الله، وهبَّ مُسرعًا لزوجته الحبيبة، فزَرَع فوق جبينها أجملَ زهرة".​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى