في بيت النجار موسيقيون

عياش علي محمد

عياش علي
عياش علي
عند عودة البعثة الرياضية اللحجية، من مشاركتها في الدورة العربية الرابعة، المنعقدة في جمهورية مصر العربية، في سبتمبر 1965م، مع منتخبات عدد من الدول العربية، كنت أنا واحداً من أعضاء هذه البعثة الرياضية المشاركة في هذه الدورة، وعند وصولي إلى منزلي، استقبلني العم المرحوم سالم أحمد النجار، الذي فاجأني بسؤال: هل اشتريت لي عوداً من مصر؟ أجبته بالنفي، لأنه لم يطلب مني ذلك قبل السفر، عندها بادرته بسؤال آخر: لماذا تريد العود؟ هل تجيد العزف على العود؟ رد قائلا: "نعم أجيد العزف على العود وسوف ترى يوم المقيل كيف أتسلطن في العزف".

خامرتني الشكوك كيف هذا العم الذي امتهن مهنة النجارة يجيد العزف على العود؟ وكيف استطاع أن يوفق بين مهنته كنجار وبين العزف على العود؟ لكن في ظهر يوم المقيل احتضن العم سالم النجار العود الحلبي، الذي لا أعرف من أين جاء به، وراح يعزف للمقيل عزفاً منفرداً، وقام بعدة تقسيمات بدأها من العراق، ومر على الشام، ودخل مصر، ثم حط الرحال في لحج الخضيرة، كفنان مبدع استطاع أن يأسر انتباه الحاضرين بعزفه وبصوته الرخيم حين أتى على الأغنية القومندانية (مطر نيسان)

وبعدها سألت العم سالم النجار: كيف أنه انجذب للعود، أو أن العود هو الذي انجذب للعم سالم؟ قال لي سوف أكشف لك سرا لا يعلم به أحد غيرك، موضحا أنه كان له دكان نجارة في منزله، وكان الفنانون من لحج عندما ينكسر العود الذي يعزفون به، يذهبون إلى دكان العم سالم لغرض إصلاحه، ونجح العم سالم في إصلاح الأعواد المعطوبة، واشتهر بذلك في محيط فناني لحج، ولا يسلم العود المعطوب إلا وقد قام بتجربته والتأكد من أوزانه، وبهذه الطريقة استطاع العزف على العود ومن خلال ملامسته للأوتار مراراً وتكراراً أصبح عازفاً على العود بالفطرة.

أبناء العم سالم أحمد النجار ثلاثة أولاد وأختهم، الولد المرحوم عبده سالم النجار الرائد في العزف على آلة القانون، والثاني علي سالم النجار (النحو) العازف على آلة الرباب (الكمان)، والثالث المرحوم محمد سالم النجار الابن الثالث العازف على آلة القانون، وأختهم نور النجارة العازفة على آلة العود، وكلهم تعلموا العزف من دكان نجارة والدهم، وتبعهم ابن عمهم علي صالح الخواجة، الذي اشتهر بالعزف على آلة القانون الذي ورثه من الفقيد عبده سالم النجار.

عائلة النجار سطروا تاريخاً ناصعاً بالفن، واختارهم عدد من فناني عدن ولحج كي يكونوا ضمن فرقهم الفنية كعازفين أكفاء، فكانت لهم بصمات فنية مع عباقرة الفن في اليمن أمثال الفنانين: فضل محمد اللحجي، أحمد يوسف الزبيدي، سعودي أحمد صالح، محمد محسن عطروش، محمد مرشد ناجي، محمد صالح عزاني، عبدالكريم توفيق، ومحمد عبده زيدي.

أما أختهم الفنانة الراحلة نور سالم النجار التي اشتهرت باسم (النجارة) فقد انفردت بالعزف على العود، وكانت تقيم حفلاتها الفنية في الأعراس النسوية؛ حيث كانت تؤلف أغانيها بنفسها، كما تقوم بتلحينها، أما صوتها فقد جذب الكثير من المعجبات بها وبأدائها الرفيع، لكنها كانت لا ترغب بالظهور على شاشات التلفزيونية أو التسجيل للإذاعة.

لقد انفرد بيت النجار بلحج بإظهار نبوغ أبنائه في العزف على الآلات الموسيقية، وعاشوا على ما يحصلون عليه من نشاطهم الفني من خلال مشاركتهم في الحفلات الفنية والسهرات التلفزيونية والتسجيلات الإذاعية، ولم يكونوا يتلقون المعاشات من وزارة الثقافة أو الإعلام، وعاشوا فقراء في حياتهم المادية لكنهم كانوا أثرياء بفنهم وثقافتهم الموسيقية التي عاصروا بها زمناً طويلاً من تاريخ الأغنية اليمنية.

فهل هناك من نظرة استحقاقية لخدماتهم الفنية؟ وهل هناك من إمكانية أن يحظى أبناؤهم بلفتة كريمة من وزارة الثقافة أو مكتبي الثقافة بلحج وعدن على أجل الأعمال الفنية التي كانوا روادها؟ وهل من الممكن أن يحظى بيت النجار بدعم فني ومادي تقديرا لما بذله بيت النجار ومبدعيه وما قدموه من إنجازات فنية تستحق تخليدها في ذاكرة التاريخ؟

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى