زواج القاصرات.. انتهاك لحقوق الطفولة بتشجيع أهلي

العادات والفقر أبرز أسباب الزواج المبكر

تقرير/ فردوس العلمي
تسببت الحرب وما نتج عنها من تداعيات كالفقر وترد اقتصادي بتزايد نسبة زواج القاصرات في البلاد.

ولم يعد هذا النوع من الزواج مقتصراً على المناطق الريفية نتيجة العادات والتقاليد السائدة فيها؛ بل طال منذ سنوات المناطق الحضرية.

"الأيام" أعدت مادة حول هذه الظاهرة وما لها من أضرار صحية ونفسية على الأم وجنينها والمجتمع على حدٍ سواء.

وقالت المواطنة إحكام سمير: "الزواج مسؤولية كبيرة ويعني فتح بيت وتربية أطفال، وفي العادة تكون هذا الطفلة (الزوجة) غير ملمة وواعية بكل هذه الأمور، ولهذا فهي بحاجة إلى توعية، والمؤسف أن كثيراً من الأسرة لا تكترث إلى ما قد ينال ابنتهم ويقولون ستتعلم بعد الزواج وتتحمل المسؤولية في بيته زوجها، وهذا فهم خاطئ له عواقب وخيمة، وقد تصل إلى وفاة الأم إذا قد الله".

وأضافت في حديثها لـ«الأيام»: "الفتاة الصغيرة تفرح بلبس الفستان الأبيض والزفة وما إلى ذلك، ولكن لا تعي ماذا بعد الفستان الأبيض؟ لهذا نطالب الأسر بتوعية بناتهن، في حالات الزواج بشكل عام حتى لا تُعاني من مشكلة الطلاق المبكر".
قتل لأحلام الطفولة
فيما أكدت ريام أنيس، وهي خريجة جامعية، بأنه لم يعد الأهل سبباً رئيسياً في تزويج الفتاة القاصرة؛ بل إن هناك الكثيرات من الفتيات هن من يصرن على أسرهم بالقبول بتزويجهن حتى ولو كان المتقدم شخصاً غير مناسب؛ نتيجة اغترارها بكلامه المعسول وخداعه إياها بتحقيق أحلامها الوردية وما إلى ذلك"، مضيفة: "أيضاً هناك أسباب أخرى منها الفقر والذي يدفع بعض أرباب الأسر إلى تزويج بناتهم وهن ما زلن في سن الطفولة".

ووصفت ثريا حميد علي (جامعية) زواج الصغيرات بـ "الكارثة" والقتل لأحلام الطفولة، وضياع لأبسط حقوقها كاللعب والتعليم وغيره.

وتضيف صابرين محمد (31 عاماً)، أم لثلاثة أطفال: "تزوجت وعمري 18 عاماً، حيث يبلغ عمر أكبر أطفالي حالياً 11 عاماً، وكان الزواج بإرادتي، ولكني وصلت في الوقت الحاضر إلى مرحلة تصعبت عليّ فيها الحياة حين أرى زميلات دراستي وقد أنهين التعليم الجامعي، وتحصل بعضهن على وظائف، وتزوجن وهن سعيدات بحياتهن، في الوقت الذي حرمت منه بسبب تحملي لمسؤولية البيت والأسرة سريعاً".


وبعد صمت لبرهة تواصل حديثها قائلة: "حرمت من متعة الحياة، وعجزت عن تحمل هذا الحياة التي قيدتني، وأصبحت حالياً أفكر بالطلاق؛ لأتمكن من العودة للحياة التي تركتها قبل 20 عاماً، لأعيش حياتي التي حرمت منها".

وأعادت "محمد" سبب مطالبتها بالانفصال عن زوجها إلى رفضه وتعنته وحرمانه لها من مواصلة التعليم وعدم القدرة على التفاهم فيما بينهما.

وتتابع: "الفتيات بحاجة للتوعية حتى وإن كانت القادمة على الزواج في السن القانوني؛ لتفهم ما لها من حقوق، وما عليها من واجبات.. ففي الوقت الذي تفرح الأسرة فيه بالمهر، تفرح الفتاة بحفل العرس والزفة وغيره، دون إدراك منها لِما بعد ذلك من مسؤوليات"، لافتة إلى أن من حسنات الزواج المبكر هي تقارب السن بين الأم وأبنائها والتي تساعد تقارب الفهم فيما بينهم.
توعية
عبدالرحمن محمد
عبدالرحمن محمد
عبدالرحمن محمد عبدالقادر (جامعي) يعمل ضمن فريق لتوعية المجتمع من مخاطر الزواج المبكر من خلال عرض أفلام توثيقية توعوية تبرز اضطرار زواج القاصرات؛ للحد منه بعد أن بات، كما يقول، في تزايد مستمر لاسيما بعد عام 2015م في الريف والحضر على حدٍ سواء.

ويضيف في حديثه لـ«الأيام»: "نحاول الحد من هذا الظاهرة السلبية والتي لها الكثير من العواقب الصحية والنفسية والمجتمعية".

فيما قال المواطن مصطفى سالم: "زواج الفتاة القاصر خطأ كبير يرتكبه الأهل بحق بناتهم، تتحمل نتائجه طفلتهم بدرجة أساسية بسبب الولادة المبكرة وما لها من تداعيات عليها وعلى أطفالها والتي قد تصل إلى حد الوفاة".

وشاطره الرأي المواطن قاسم صالح، وأضاف: "هذا النوع من الزواج لا تقتصر مخاطره على الأم وحسب؛ بل على كل الأطراف كالأب والأبناء كذلك".
قاسم صالح
قاسم صالح

أسباب كثيرة
من جهتها، طالبت نائب رئيسة اتحاد اليمن، بعدن نادية الأغبري، بضرورة الحد من أضرار زواج القاصرات من خلال وضع آلية عمل جاد بخصوصها، وكذا العمل على توعية المجتمع بأضرارها الجسيمة التي تتعرض لها الفتاة الصغيرة لفترة ما بعد الزواج المبكر صحياً ونفسياً وجسمانياً، والذي قد يؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.

نادية اغبري
نادية اغبري
وشددت في تصريحها لـ«الأيام» على ضرورة العمل على الاستمرار في عمل برنامج دائم في الإعلام المرئي والمقروء بشكل فلاشات، بالإضافة إلى عمل مسرحيات مصغرة ومفهومة وهادفة لتوصيل الرسالة عن زواج القاصرات المبكر، مع عدم إغفال التوعية في المدارس من خلال المسرحيات والمحاضرات.

وأعادت "الأغبري" بعض أسباب الزواج البكر إلى الفقر والضغط والتهرب من تحمل المسؤولية لكثرة الأبناء لدى بعض الأسر.
آثار نفسية وصحية
وبدورها، أوضحت د. أنهار فيصل قائد، اختصاصية النساء والولادة، الأضرار الناتجة عن زوج الفتاة في سن مبكر بالقول: "تُعد اضطرابات الدورة الشهرية، وتأخر الحمل من الآثار الجسدية بسبب الجماع المبكر، فضلاً عما يسببه من تمزق في المهبل والأعضاء المجاورة له، مع ازدياد نسبة الإصابة بمرض هشاشة العظام نتيجة لنقص الكلس.

وتابعت قائلة: "أيضاً هناك أمراض مصاحبة لحمل الفتاة القاصر؛ أبرزها القيء المستمر وفقر الدم، والإجهاض والولادة المبكرة نتيجة لخلل في الهرمونات الأنثوية أو لعدم تأقلم الرحم لعملية الحمل مما يؤدي إلى حدوث انقباضات رحمية متكررة تتسبب بالتالي بحدوث نزيف مهبلي وكذا الوالدة المبسترة (المبكرة)، كما أن ارتفاع الضغط يؤدي إلى الفشل الكلوي أو نزيف وتشنجات، وازدياد العمليات القيصرية بسبب تعسر الولادة في عمر مبكر، مع ارتفاع نسبة الوفيات بسبب مضاعفات الحمل، فضلاً عن ظهور التشويهات العظمية في الحوض والعمود الفقري".

د. انهار فيصل
د. انهار فيصل
وعن مضاعفات الحمل المبكر والولادة المبكرة على صحة الجنين، قالت: "يُعاني الجنين من الاختناق نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية المغذية للجنين، وقصور في الجهاز التنفسي؛ لعدم اكتمال نمو الرئتين واعتلالات الجهاز الهضمي، وتأخر النمو الجسدي والعقلي وزيادة الإصابة بالشلل الدماغي والإصابة بالعمى والإعاقات السمعية والوفاة بسبب الالتهابات".

وأكدت د. أنهار قائد أن زواج القاصرات له آثار نفسية على الأم والأطفال، ومنها الحرمان العاطفي من حنان الوالدين والحرمان من العيش مرحلة الطفولة، مضيفة: "الحرمان في هذا المرحلة يؤدي لضغوط إلى ارتداد لهذه المرحلة في صورة أمراض نفسية مثل الهستيريا والاكتئاب والقلق والاضطراب الشخصي، واضطرابات في العلاقة الجنسية بين الزوجين، والانغلاق غير الإرادي للمهبل لمن هن في عمر مبكر، والذي يحدث نتيجة القلق والخوف من الشدة الجسدية من الزوج، وهي حالة مرضية يستدعي التدخل الطبي، مع وجود قابلية للإصابة ببعض الأمراض النفسية خلال فترة النفاس، وكذا عدم اكتمال النضج الذهني فيما يخص اتخاذ القرارات وما يترتب عليها بالنسبة للعناية بالطفل وواجبات الزوج والعلاقة مع أهله الزوج أيضاً".

وتضيف: "أيضاً هناك آثار نفسية على الأطفال لهؤلاء الأمهات كالشعور بالحرمان، فالأم القاصر لا يمكن أن تقوم بعملها كأم ناضجة، إلى جانب اضطرابات نفسية تؤدي إلى أمراض نفسية في الكبر كالانفصام والاكتئاب نتيجة وجود الطفل في بيئة اجتماعية غير متجانسة، وكذا تأخر النمو الذهني لديهم بسبب انعدام أو ضعف الرعاية التربوية الصحيحة؛ حيث لا يمكن للأم القاصر أن تقوم بواجبها التربوي تجاه أطفالها".

وأشار تقرير لمنظمة اليونيسيف إلى أن عدد حالات زواج القاصرات في العالم تراجع بمعدل 15 %، لكن العدد لا يزال مرتفعاً عند 12 مليون حالة.

المنظمة حذرت من وقوع 150 مليون فتاة ضحية الزواج المبكر ومن النتائج الكارثية لزواج القاصرات.

أفادت بيانات جديدة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، في شهر من العام الماضي بأن ما يقدر بـ 12 مليون فتاة تحت سن 18 عاماً يتزوجن سنوياً في العالم، لافتةً إلى أن استمر زواج الأطفال بالمعدل الحالي يعني أن أكثر من 150 مليون فتاة في جميع أنحاء العالم سيتزوجن قبل بلوغهن سن الثامن عشرة بحلول عام 2030م.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى