اليمنيون يلجأون إلى مياه الأمطار للعيش

«الأيام» العربي الجديد

لم يعد أمام اليمنيين من خيارات غير اللجوء إلى الوسائل الطبيعية التي كانوا يعتمدونها في السابق، بعدما أثرت الحرب على الكثير من حقوقهم، منها حقهم في مياه نظيفة. لذلك، لجأ كثيرون في البلاد إلى تجميع مياه الأمطار.

الحرب التي شهدها اليمن قبل أكثر من خمس سنوات قضت على أدنى أمل في إيجاد حلول لأزمة المياه في البلاد، التي تعد إحدى أكثر دول العالم جفافاً وعطشاً، لتزيد وتيرة الصراعات بهدف تأمين مصادر المياه، عدا عن تدهور البيئة وصحة المواطنين مع اللجوء إلى المياه الملوثة كبديل في بعض المناطق، ما ساهم في انتشار الأمراض بشكل كبير وغير مسبوق. وأمام شعور اليمنيّين بالإحباط إزاء أي استجابة لتحسين مواردهم المائية، لجأ كثيرون إلى المصادر التقليدية أي جمع مياه الأمطار في أحواض أو ما يسمى محلياً "خزانات المياه" الحجرية.

وفي هذا السياق، يقول المزارع عبدالله أحمد، أحد سكان محافظة المحويت (غرب)، إنّه حوّل سقف منزله إلى مكان لجمع مياه الأمطار لينتهي أمرها في خزان أرضي أسفل المنزل من خلال أنبوب بلاستيكي يربط بين السقف والخزان. يضيف لـ "العربي الجديد" أن الخزان الأرضي يمتلئ بالمياه الصالحة للشرب بعد هطول الأمطار، مضيفاً: "تكفينا المياه لأشهر. ومع عودة المطر يمتلئ مجدداً، فلا نضطر لشراء المياه إلا نادراً عندما يتأخر موسم الأمطار". ويشير إلى أن كُثراً من سكان المنطقة "بدأوا يلجأون إلى هذه الطريقة بعدما انقطعت خدمة المياه من الحكومة مع بداية الحرب. كنّا نعاني عندما نجلب المياه من أماكن بعيدة، لكننا اليوم لا نحتاج إلا إلى تنظيف أسطح المنازل بداية موسم الأمطار، ثم تحويل المياه إلى الخزان الأرضي".

وتتنوع اختيارات اليمنيين في بناء البنية التحتية المائية، لا سيما في الريف الذي تعد معاناته شديدة بسبب العطش عدا عن مخاطر التنقل لجلب المياه. ومنذ فترة طويلة، بدأ الكثير من المزارعين التوسع في بناء برك جمع المياه العامة التي تشهد ازدحاماً، فتزداد معدلات الاستهلاك وتتناقص فترات احتوائها على المياه. وهذه البرك معرضة للإهمال، إذ لا يبادر كثيرون إلى تنظيفها كون الجميع شركاء فيها.

وهناك النوع المغمور الذي بدأ ينتشر أخيراً بين اليمنيين، وهو السقاية المنزلية، وهي عبارة عن أحواض حجرية تبنيها العائلات إلى جوار المنزل، ويكون رأسها مربوطاً بأنبوب بلاستيكي يصل حتى سقف المنزل الذي تتم تغطيته كاملاً بطبقة رقيقة من الإسمنت المخلوط بأحجار صغيرة؛ فعند سقوط قطرات المطر عليها تتجمع نحو فم الأنبوبة لتنزل ويتم تخزينها في السقاية لتكون مخزونا مائيا آمنا للشرب والطبخ.


وتعد السقايات المنزلية، التي يبلغ حجمها 15 متراً مكعباً، رخيصة. وقبل الاستغناء عنها حديثاً، كان اليمنيون قد استخدموها قبل مئات السنوات للحصول على المياه وتخزينها لمواسم العطش. ويتكون بناؤها من الأحجار والرمال المتوفرة في غالبية القرى اليمنية، ولا حاجة إلى شراء سوى كميات من الإسمنت للكسوة الداخلية والحديد للخلطة الخرسانية المسلحة لسقف الخزان.

إضافة إلى مياه الشرب، بدأ العمل على تخزين مياه الري في خزانات مشابهة بأحجام أكبر تصل إلى 70 مترا مكعبا. وتبنى هذه الخزانات على الأراضي الزراعية، إذ يتم فتح المجرى المائي إليها من مساحات مرتفعة مجاورة، لتسهيل انحدار المياه الواصلة عبر المجرى الذي يؤدي إلى حوضي ترسيب وتهدئة يحتفظ بالأتربة والأحجار الصغيرة داخلهما قبل أن تدخل المياه شبه النظيفة إلى الخزان والتي تستخدم لري الأراضي الزراعية أثناء فترات الجفاف.

الخبير في المجال التنموي والإنساني عبدالاله تقي، يوضح أن هذا التوجه كان مفيداً لا سيما عقب زيادة كميات الأمطار كنتيجة طبيعية للتغير المناخي. وكان للجفاف والأمراض الناتجة عن المياه غير الآمنة الدافع الأقوى الذي دفع مؤسسة تنموية وطنية في اليمن للبحث عن أفضل السبل وأكثرها جدوى من الناحية الاقتصادية، لمواجهة هذه المعضلات والبدء في السقايات المنزلية التي حققت نتائج إيجابية مختلفة بحسب تقي. ويؤكد أن هذه المؤسسة ركزت معظم تدخلاتها على مد المجتمعات الريفية المحتاجة بمياه نظيفة للشرب لتجنب مخاطر وباء الكوليرا والإسهال، وساهمت في دفع مجتمعات لبناء مراحيض صحية". يضيف: "عملت مثل هذه المشاريع على إلهام فكرة السقايات للمجتمعات من خلال مبادرات مجتمعية لبنائها أو لإعادة تأهيل القديم منها".

هذه التجارب حقّقت رضى دفع الكثير من العائلات إلى إرسال آلاف الرسائل إلى هذه المؤسسة باعتبارها الكيان الوطني الوحيد الذي ينفذ مثل هذه المشاريع. والمؤسسة مطالبة من قبل المجتمعات الريفية بتنفيذ مثل هذه المشاريع، مؤكدين أنهم على استعداد للمساهمة بأجزاء من الكلفة". وتؤكد أن هذه التجربة "أفرزت نتائج عدة أهمها الحفاظ على المياه الجوفية من النضوب وإنتاج موارد مياه متجددة آمنة ونظيفة ورخيصة الكلفة ومستدامة طويلة المدى، توفر المياه لأربعة أشهر على الأقل في التعبئة الواحدة". ويلفت إلى أنها تساهم في تخفيف كوارث السيول على المجتمع وتحمي المنازل من تساقط الأمطار".

تجدر الإشارة إلى أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أكدت في وقت سابق أن نحو 18 مليون نسمة، بينهم 9.2 ملايين طفل في اليمن لا يستطيعون الوصول مباشرة إلى "المياه الآمنة والصرف الصحي والنظافة الصحية".

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى