مصدر مالي مستقل يكشف لـ«الأيام» خفايا الصراع المالي وأسباب تهاوي العملة

تقرير/ هشام عطيري

كشف مصدر مالي مستقل العديد من القضايا والأسباب والعوامل التي أدت إلى انهيار الريال اليمني مقابل العملات الصعبة، إضافة إلى خفايا الصراع المالي في المحافظات الخاضعة للحوثيين وفي المحافظات المحررة.
وقال المصدر المالي لـ«الأيام»: "خلال العام 2016م، تحديداً بتاريخ 18 سبتمبر أصدر الرئيس عبدربه منصور هادي قراراً قضى موجبه بنقل البنك المركزي الرئيس من صنعاء إلى عدن، وبتعيين محافظ جديد له في عدن، وذلك بعد اتهام الشرعية والتحالف لإدارة البنك في صنعاء باستنزاف الاحتياطات المالية لمصلحة دعم المجهود الحربي للمليشيات الحوثية. وظنت حينها الحكومة الشرعية أن عملية إدارة البنك المركزي في عدن سيكون حالها كحال باقي الوزارات المنقولة من صنعاء إلى عدن، لكن بعد عملية النقل تلك بدأ محافظ البنك الجديد البحث عن سيولة مالية لتسديد مرتبات الموظفين الحكوميين، وتسيير الحياة الاقتصادية في المحافظات المحررة من مركزه الجديد في عدن في ظل انعدام سيولة مالية كافية من النقد الورقي في خزائن فروع البنك بالمحافظات المحررة، وهو ما جعل هذه المحافظات تعيش أزمة في السيولة المحلية طيلة تلك الفترة".

وأضاف في تصريحه لـ«الأيام»:"اتخذت حينها إدارة البنك ممثلة بمحافظها الجديد منصر القعيطي والحكومة الشرعية قراراً بطباعة أوراق نقدية فئة  ( 1000, 500, 200, 100) ريال، وكان العقد الموقع في وقتها مع إدارة البنك والشركة الروسية يقضي بطباعة ما يقارب تريليونا وسبعمائة مليار ريال يمني بطبعة جديدة وصغيرة. وفي المقابل، كان العالم يراقب ذلك القرار وما ستؤول إليه الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما القوة الشرائية للريال اليمني في ظل حالة الدمار الذي خلفته الحرب، وتوقف العديد من القطاعات الإنتاجية الحكومية والخاصة، إضافة إلى توقف الدولة عن تصدير النفط والغاز الذي كان يغطي 80 % من عائد ميزانية المدفوعات للدولة. وخلال تلك الفترة، كان البنك الدولي يراقب قرار الحكومة الشرعية وإدارة البنك وتحذير محافظ البنك من أن ذلك القرار لابد أن يكون مدروساً، وهدفه القضاء على حالة الركود الاقتصادي والانكماش الذي تعيشه البلد، وعدم إغراق السوق بكميات كبيرة من تلك الطبعة الجديدة في ظل وجود طبعة من الريال اليمني (طبعة قديمة) المصدرة من صنعاء خلال الفترة الماضية في السوق المحلي كنقد متداول بمبلغ يراوح تريليونا وأربعمائة مليار ريال".
 

عدن ليست كصنعاء
 يقول المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن الحكومة الشرعية وقيادة البنك تجاهلت أن البنك في عدن يعمل منذ عام 94 كفرع للبنك المركزي في صنعاء، وظل طيلة الفترة الماضية، لأسباب تتعلق بالكوادر البشرية من كفاءة وخبرة وعدد، يختلف عن بنك صنعاء وعدن، فبنك صنعاء لديه موظفون ذوو خلفية مالية ومصرفية من حملة الشهادات العليا، إضافة إلى الخبرات المالية والمصرفية، والتأهيل والدورات الخارجية، بينما ظل بنك عدن فرعا، يعيش حالة من العمل التقليدي والروتيني لدى موظفيه، التي لم تتجاوز حدود صرف المرتبات وعمليات الإيداع والتوريد للمؤسسات والجهات الحكومية، بل كانت عملية التوظيف للكوادر تتم من بنك صنعاء"، مضيفاً: "وظن محافظ البنك أن وظيفته الأساسية هي صرف الأجور والمرتبات للموظفين في جهاز الدولة من عدن فحسب".

وأوضح المصدر أن الناحية الداخلية للبنك تعد أحد الأسباب التي أدت إلى التدهور في القوة الشرائية للريال اليمني، فعدد الموظفين في بنك صنعاء تجاوز الألف موظف، فيما البنك في عدن يبلغ عدد موظفيه 200 موظف.
وقال: "كل تلك الأسباب كان من الممكن تداركها وإيجاد الحلول لها إلا سببا واحدا رئيسا، هو الخلفية الاقتصادية والمصرفية لمحافظ البنك الأسبق، محمد عوض بن همام، الذي كان صاحب عقلية اقتصادية متمكنة، منعت بطريقة متوازنة تهاوي الريال خلال الفترة 2012م حتى 2016م في ظل فترات الحرب، وأبقته عند حدود 250 ريالا للدولار، إضافة إلى إنجازه في توفير المرتبات والأجور لمعظم الأجهزة الحكومية".
 

تهاوي الريال
وبيّن المصدر المالي المستقل لـ«الأيام» أنه "خلال الفترة من 2017م- 2018م بدأ الريال اليمني يتدهور في قوته الشرائية حالما بدأ مركزي عدن ضخ السيولة النقدية المطبوعة حديثاً بعد أن تجاوزت الكميات المصدرة للسوق ما يقارب 500 مليار ريال، مما أدى إلى ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية، وقد بلغ سعر صرف الدولار في صنعاء 400 ريال آنذاك، مضيفاَ: "في عام 2018م، تحديدا في مارس، بعد تهاوي الريال تم تعين محافظ جديد للبنك في عدن، لم تتجاوز فترته سنة ونصف، وخلفه د. محمد منصور زمام، وخلال فترة قيادته للبنك فُعِّل قطاع العمليات المصرفية الخارجية، وبُدء في عمليات تغذية الاعتمادات المستندية للسلع الأساسية التي رصدت لها المملكة العربية السعودية ملياري دولار أمريكي؛ لتوفير السلع والاحتياجات الضرورية بسعر اعتماد يقل عن سعر السقف المحلي الذي بلغ ذروته في أكتوبر 2018م ووصول سعر الدولار إلى 750 ريالا.

وخلال ثلاثة أشهر من الوديعة السعودية تراجعت أسعار الصرف إلى 475 ريالا للدولار في شهر ديسمبر من العام 2018م، أي إن سعر السوق المحلي يقل عن سعر الاعتماد الذي أقرّه البنك حينها 485 ريالا للدولار.
وفي أثناء ثلاثة أشهر من تفعيل السحب والتحويل من الوديعة السعودية أكتوبر - ديسمبر قام قطاع العمليات المصرفية الخارجية بسحب ما يقارب 680 مليون دولار كاعتماد لصالح سلع أساسية للتجار، إضافة إلى قيام البنك المركزي بعمليات التحويل للحالات المرضية للعلاج في الخارج، وذلك بسعر 570 ريال للدولار خلال العام نفسه".

غياب الخطط المدروسة
وأضاف المصدر أنه "لم تكن لدى إدارة البنك ومجلس إدارته ولا الحكومة خلال الفترة التي تلت قرار نقل البنك المركزي إلى عدن 2016م- 2018م خطة اقتصادية مدروسة؛ للوصول إلى حالة الاستقرار النسبي لتهاوي الريال سوى تلك الفترة التي تم فيها فتح الوديعة السعودية والسحب منها، والتي لم يكن لدى إدارة البنك أي خطة اقتصادية".
 وتابع قائلاً: "خلال السنوات الماضية 2016م -2019م ظلت صنعاء والمحافظات الخاضعة للحوثيين تعيش نفس الحالة من التدهور في سعر الصرف إضافة إلى إغراق السوق بالطبعة الجديدة إلى جانب الطبعة القديمة المصدرة من صنعاء.
 وفي بداية العام 2020م عين الحوثيون محافظا جديدا للبنك في صنعاء، وقام المحافظ باتخاذ قرار مفاجئ، هو إلغاء التعامل بالطبعة الجديدة باعتبارها طبعة غير قانونية، والإعلان للتجار والمواطنين بتوريد كل ما لديهم من طبعة جديدة إلى مركزي صنعاء، واستبدالها بالعملة الإلكترونية أو العملة الورقية القديمة، إضافة إلى قرار محافظ بنك صنعاء إيقاف عدد من شبكات التحويل العاملة في صنعاء بعد اتفاق مع تلك الشبكات التي تغطي خدماتها كل المحافظات اليمنية بالتعامل معها باعتبارها وكلاء رئيسين أو فرعيين لتلك الشبكات المحلية التي مقرها الرئيس صنعاء.

وأوضح المصدر المالي المستقل في تصريحه لـ«الأيام» أنه "بعد قيام بنك صنعاء بمنع تداول الطبعة النقدية الجديدة من الريال اليمني المصدرة من مركزي عدن بدأت شبكات التحويل العاملة في اليمن عملية فرض فروق عمله للحوالات الصادرة عبر وكلائها الفرعيين أو الرئيسين في المحافظات المحررة. فيما قامت اللجنة الاقتصادية العليا للحوثيين بتثبيت سعر صرف العملات الأجنبية في المحافظات الخاضعة لسيطرتها، وتم تثبيت الدولار عند سعر 600 ريال والسعودي عند 155 ريالا، بينما تهاوى سعر صرف الريال مقابل العملات الصعبة في المحافظات المحررة، ووصل سعر صرف الدولار فيها في تلك الفترة 665 ريالا.

مَن يحدد سعر صرف؟
يضيف المصدر المالي في تصريحه لـ«الأيام»: "يتساءل العديد من الناس كيف يتم تحديد سعر صرف العملات الأجنبية في السوق المحلي، وهناك من يظن أن مركزي عدن هو المسؤول عن ذلك؛ لأنه يراقب عمل شركات الصرافة من خلال قطاع الرقابة على البنوك، ولكن الحقيقة التي لا يعرفها الكثير بأن أسعار صرف العملات الأجنبية تتحدد يومياً من شركات وشبكات الصرافة العاملة في صنعاء.

إذن لماذا أسعار الصرف في صنعاء تقل عن الصرف في عدن وبفارق سعري يفوق الـ 130 ريالا للدولار؟ هذا الأمر بكل تأكيد مرجعه لعدة أسباب: أولها عدم اعتراف صنعاء بالطبعة الجديدة الصادرة من عدن.
ثانيا- تعتمد صنعاء خفض سعر صرف الدولار مقابل الطبعة القديمة من الريال وارتفاعها في عدن والمحافظات المحررة مقابل الطبعة الجديدة من خلال عدد من الإجراءات، إذ تتعامل صنعاء مع المحافظات المحررة باعتبارها ذات اقتصاد منفصل عن المحافظات الخاضعة لها، وعلى هذا، أصبحت الطبعة الجديدة من الريال تمثل المحافظات المحررة، والطبعة القديمة تمثل المحافظات الخاضعة للحوثيين؛ ولهذا أي حوالة صادرة عبر شبكات التحويل من وكلائها في المحافظات المحررة تتعامل صنعاء مع الطبعة الجديدة بأنها تمثل دولة أخرى، فعملت على تحديد سعر صرف الطبعة الجديدة مقابل الطبعة القديمة، وهو ما أوجب على المرسل لأي حوالة مالية من المحافظات المحررة عبر شبكات التحويل المحلية التي مركزها صنعاء سداد فارق عملة بين الطبعة القديمة والجديدة، وأدى استمرار تهاوي سعر الريال في المحافظات المحررة إلى زيادة فارق العملة عند التحويل منها عبر شبكات التحويل المحلية الخاضعة للحوثيين في صنعاء؛ نتيجة للسياسات التي أقرتها اللجنة الاقتصادية العليا للحوثيين في ظل سكوت وصمت قطاع الرقابة على البنوك والصرافة في مركزي عدن الذي يوجد مساعد وكيلها القادم من صنعاء في القاهرة حالياً، دون أي إجراء يتخذ من قبله أو من قبل الوكيل المسؤول عن القطاع، رغم أن وكيل مساعد قطاع الرقابة في عدن لم يقبل العمل في عدن إلا بعد أن تم استيعاب طاقمه المكون من خمسة أفراد من صنعاء في ظل عدم وجود أي إنجاز يذكر.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى