الضالع لا تخرج كما تخرج المدن، بل تنهض كما ينهض الجبل حين يغضب. في وجوه أهلها، ترى ألف حكاية جوع، وألف صرخة صبر، وألف قسم بأن الجنوب لن يعود إلى الأقفاص. لم يكن خروج الناس مجرد احتجاج على وضع معيشي خانق، بل إعلان موقف تاريخي: لا للمهانة، لا للتجويع، لا لحياة تُدار بلا كرامة.

خرجوا لا يرفعون مطالب آنية، بل يحملون ذاكرة وطن، ووجع جيل، ورسالة واضحة لكل من ظن أن الجنوبي خضع، أو سكت، أو نسِي. في الضالع، كل حجرة تُذكرنا أن الحرية لا تُعطى، بل تُنتزع.

وبينما يتألم الناس في الشوارع، لا بد أن نعود إلى أصل الوجع. الحوثي لم يكن أول الكارثة، لكنه رأسها العلني. جاء ببارود طائفي ومشروع دخيل، فتصدى له الجنوب برجاله لا بأسلحته، وانتصر خلال أيام، لأن ما يُقاتل من أجل الأرض لا يُهزم. لكننا لم ننتصر في الحرب الكبرى: حرب الفساد، والتجويع، والخذلان.

الشرعية، التي كان يُفترض أن تكون مظلة خلاص، تحوّلت إلى أداة لإدارة الفوضى. سلّمت الشمال للحوثي، واحتفظت بالجنوب كمزرعة تُدار من فنادق الرياض. لا مشروع، لا دولة، لا كرامة. تتحدث باسم اليمن وهي عاجزة عن حماية المواطن، بل وتعيش على صمته، وتحيا من نزيفه.

الجنوبي اليوم لم يعد يميّز بين رصاصة حوثية وقهر معيشي تُنتجه سلطة شرعية. كلاهما وجهان لعدو واحد: من أراد للجنوب أن يبقى جاثيًا، صامتًا، ممزقًا.

وفي ذروة هذا الغليان، أتى إعلان المجلس الانتقالي بإعادة هيكلة هيئاته ومؤسساته. خطوةٌ بدت للوهلة الأولى كجزء من ترتيب البيت الجنوبي، لكنها لن تعني شيئًا إن لم تُترجم إلى واقع يُلامس حياة الناس. الجائع لا يعنيه اسم الهيئة ولا منصب المسؤول، بل متى تصله الكهرباء، ومتى يُدفع راتبه، ومتى يشعر أن هذه الأرض تُدار باسمه لا باسْم غيره.

وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن تجاهل الحقيقة الكبرى: الجنوب ليس وحده في هذا. ما يحدث في عدن يُشبه ما يحدث في بيروت ودمشق وغزة. إنها فوضى "إسرائيل الصغرى" التي تمنع الاستقرار، ومشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يخنق الشعوب بالجوع بدل الحرب، ويُفكك الأوطان من الداخل لا بالدبابات، بل بالخذلان.

الجنوب أمام لحظة اختبار. فإما أن ينتفض ليُعيد كتابة مصيره بنفسه، أو يُترك لحكومات العجز وسماسرة التبعية ليقرروا مصيره. والضالع، حين تصرخ، لا تصرخ لنفسها فقط، بل تنبه الجنوب كله: آن أوان الغضب الواعي… لا الفوضى، لا الصمت، بل الطريق الثالث… طريق التحرير والإدارة معًا.

فهل من يسمع؟