في زمن تتسارع فيه الأحداث، يواجه التعليم في اليمن تحديات جسيمة تمسّ جوهر مستقبل أجياله. مدارس تفتقر إلى الموارد، مناهج أرهقها الصراع، معلمون بين مطرقة الظروف الاقتصادية وسندان غياب الدعم، وأطفال تسرق الحرب من أعينهم بريق الطفولة.

لكنّ التحدي الأكبر لا يكمن في المباني المتهالكة أو نقص الكتب، بل في فقدان التعليم لقيمه الأصيلة التي تبني الإنسان قبل أن تملأ عقله بالمعلومات. حين تصبح المناهج أداة تحريض بدل أن تكون جسرًا للتسامح والتعايش، وحين يغيب الحوار والاحترام عن الصفوف، فإننا نخسر الغاية النبيلة من التعليم.

إن الحلول لا تأتي فقط عبر خطط حكومية أو دعم خارجي، بل تبدأ من الأسرة وهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل اللغة التي يخاطب بها العالم، وأسلوب الحوار الذي يبني به جسورًا أو يهدمها. إذا نشأ الطفل في بيت يحترم الاختلاف ويزرع الفضيلة، فسيدخل أي مدرسة وهو محصّن بالقيم التي تحميه من الانجرار وراء الكراهية أو العنف.

إن إصلاح التعليم في اليمن يحتاج إلى رؤية شاملة:

من حيث تحديث المناهج لتكون منفتحة على قيم التنوع والتعايش، وتبتعد عن كل ما يثير الانقسام.

ومن ثم تأهيل المعلمين مهنيًا ونفسيًا ليكونوا قدوة، لا مجرد ناقلين للمعلومة. وأن يتم الاهتمام بمتطلبات المعلم فهو جندي النور الذي يحمل شعلة التعليم وينير المجتمع.

وأيضًا يجب دمج الأنشطة الإبداعية التي تنمي الفكر الإنساني وتعلم الممارسات الإيجابية وتغرس روح التعاون.

والأهم من هذا كله هو تمكين الأسرة عبر برامج توعية تساعد الوالدين على أداء دورهم التربوي بوعي ومسؤولية.

فحين تتعاون المدرسة والبيت، يصبح الطفل شجرةً جذورها في القيم، وفروعها في العلم، وثمارها في خدمة المجتمع. واليمن — التي طالما عُرفت بتاريخها المشرق — تستحق أن ترى أبناءها ينهضون بالعلم، لا أن يسقطوا ضحايا للجهل.

التعليم هو المعركة التي يجب أن نربحها، وأول خطوة فيها تبدأ من حضن الأم وكلمة الأب، قبل أن تدق أجراس المدرسة.