هَبَطَ الصرف.. بقيت الجملة القصيرة هذه كلمة الناس المتداولة في البيوت والأسواق ومقرات العمل.

خلال سنوات الحرب، نسي الناس كل شيء، فقط شُغِلوا بأمرين الأمن والمعيشة.

لم نعُد نتذكر "الديمقراطية" ولا الانتخابات أو ما قيل عنه التداول السلمي للسلطة، لقد دمرت الحرب كل المكاسب.

حتى "الثورة" و "الوحدة" و "الجمهورية" كلمات لم يعد لها وقعاً في نفوس الناس، لأن السنوات العشر التي مضت ألقَت بظلالها على بقايا الشعور بالحُب والانتماء..

لو نظرنا لشخصيات خرجت من البلد إلى الخارج، قيل عنهم سبتمبريون، لِما لا نراهم الآن يعودون مع حلول ذكرى الثورة؟.. هل "كشف الإعاشة" أغلى من 26سبتمبر؟!.

يا قومنا في الرئاسة والحكومة، والشورى، والنواب، لِما بقي الحوثي في الشمال ولم يبقَ في الجنوب؟.

نحن نشهد أن نُخَب الجنوب تشبّثوا بالأرض، ولم يغادروا، وما أغراهم كشف إعاشة، ولا امتيازات منفى، حتى أنهم جعلوا من عدن الوطن الكبير للوافدين من كل أرياف ومدن اليمن.

واسألوا عن المدينة "نجم المصلّى"، ليلة بات سعيد الشيباني في المنطقة وهو في طريقه من قريته بني شيبة بالمعافر عام 1948 إلى عدن.

كانت حكاية جميلة، لم يكن حينها يكتب الشعر، بل كان يافعاً ينقش في روحه حُب الوطن، وهو إبن 14سنة.

نقول للنُخبة المهاجرة عودوا للوطن، نريد أن نسمعكم من الأثير الوطني، لا من عواصم البلدان، وتسمعون معنا "يا نجم يا سامر"!.

يعلمنا الدكتور سعيد الشيباني، أنّهُ لا قمر القاهرة ولا قمر إسطنبول أجمل من قمر المصلّى في بلاد الأحكوم، وقدّم لنا البرهان.. هو كان في اشتياق للنزول إلى عدن، وأمسى تلك الليلة في شَجَن يرقب طلوع الصبح، وقد آنسه النجم السامر، أتدرون ماذا قال العاشق لوطنه.. قال: في ليلة وأنا أدرس في القاهرة، خرجتُ إلى الشُّرفة، وكانت الأنوار مطفأة فلمحتُ القمر، فتذكرتُ "نجم المصلّى"، بعد حوالي عشر سنين من الواقعة، فنسجتُ "يا نجم يا سامر"، انظروا يا نخبتنا المهاجرة، كيف بقيت صورة القمر مخزونة في وجدان الشاعر لمدة عشر سنوات من 1948 - 1958 حتى ترك نجم القاهرة، وحلّق بروحه إلى نجم المصلّى:

يا نجم يا سامر فوق المصلّى

كل من معه محبوب وانا لي الله

والأخضري من العُدين بكّر

مشدته بيضاء ومشقره اخضر

فرحي أنا فرح الذُّرة بمبكر

فرح الشجر ساعة نزول الأمطار

بصوت المطرب الكبير محمد مرشد ناجي.

هذا فنجان ديمقراطية، وإنْ كان مُرًّا قليلًا، لكني أناولهُ لكل يمنى خارج وطنه، عودوا، فقد "عاد أيلول" ألستم سبتمبريون..

وإنْ سألتم لِما أحب الشيباني القمر فسيجيبكم من لبنان إيليا أبو ماضي:

فاضحكْ فإنّ الشُّهْبَ تضحكُ والدُّجى

متلاطمٌ ولذا نُحبُّ الأنجُما.