> الدوحة "الأيام" العرب اللندنية:

يشكل المرسوم التنفيذي الذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقاضي بتعهد واشنطن بحماية أمن قطر بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة، محطة غير مسبوقة في مسار العلاقات الأميركية – الخليجية، ومؤشراً إلى تحولات عميقة في ميزان القوى الإقليمي.

ولا تمثل هذه الخطوة فقط مكسباً دبلوماسياً لقطر، بل تحمل في طياتها رسائل مزدوجة: أولاً إلى الخليج الذي يتوجس من تراجع الالتزام الأميركي بأمنه، وثانياً إلى إسرائيل التي تجد نفسها لأول مرة أمام معادلة جديدة تحدّ من هامش تحركها العسكري.

ونص المرسوم بوضوح على أن أي هجوم على قطر سيُعتبر تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأن الرد قد يشمل تدابير عسكرية، وهو ما يمنح الدوحة مظلة ردع معنوية وسياسية قوية.

وتلفت الخبيرة إليزابيث دِنت إلى أن المراسيم التنفيذية تختلف عن المعاهدات الملزمة قانونياً ويمكن لإدارة لاحقة إلغاؤها، فإن اللغة المستخدمة في هذه الوثيقة بدت أكثر صرامة من كل ما سبق تجاه قطر أو دول الشرق الأوسط الأخرى.

ويعكس هذا التناقض بين قوة الخطاب وهشاشة الإلزامية جانباً من نهج ترامب: تعزيز الردع السياسي والدبلوماسي من دون التورط في التزامات قانونية طويلة الأمد.

وبالنسبة لقطر، التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة (العديد)، فإن هذه الضمانات تمثل انتصاراً استراتيجياً يضيف إلى مكانتها كوسيط دبلوماسي رئيسي في أزمات المنطقة، خصوصاً في حرب غزة.

وبعد أن تسببت الضربة الإسرائيلية في تجميد الوساطة القطرية مؤقتاً، أعاد المرسوم الأميركي الثقة إلى الدوحة ومنحها زخماً جديداً لاستئناف دورها التفاوضي، لاسيما بعد الاتصال الثلاثي بين ترامب ونتنياهو والشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، والذي انتهى باعتذار إسرائيلي علني وهو تطور نادر في العلاقات بين تل أبيب وواشنطن من جهة، وتل أبيب والدوحة من جهة أخرى.

وعلى الضفة الأخرى، شكّل القرار الأميركي توبيخاً واضحاً لإسرائيل، إذ وُضع لأول مرة على هامش تحركها العسكري في منطقة تعتمد على المظلة الأميركية.

ويرى المحاضر في كلية كينغز بلندن أندرياس كريغ أن أي هجوم إسرائيلي مستقبلي على قطر سيحمل مخاطرة أكبر بجرّ رد أميركي، حتى لو كان محدوداً أو مدروساً.

ويضيف كريغ أن هذا المعطى يمثل خسارة رمزية واستراتيجية لتل أبيب، التي اعتادت على حصانة شبه كاملة في عملياتها عبر المنطقة.

وعلى مستوى الخليج، فإن الخطوة الأميركية تجاه قطر ستعيد ترتيب الحسابات الأمنية. فالسعودية التي جمدت مفاوضاتها الأمنية مع واشنطن في خضم حرب غزة، اتجهت نحو بدائل عبر توقيع اتفاق دفاعي مع باكستان.

لكن في العمق، يُظهر المرسوم التنفيذي أن الولايات المتحدة لا تزال، رغم التراجع النسبي في حضورها العسكري المباشر بالشرق الأوسط، اللاعب الأمني الأول الذي لا يمكن تجاوزه.

ويظل الخليج، بموارده الحيوية وموقعه الجيوسياسي، مرتبطاً عضوياً بالمظلة الأميركية، حتى وإن بحثت عواصمه عن بدائل تحوطية في باكستان أو الصين أو روسيا.

وبالنسبة لواشنطن، يبدو أن تقديم ضمانة أمنية لقطر يخدم هدفين متوازيين: تعزيز نفوذها في ملف غزة عبر دعم الوسيط الأكثر فاعلية، ومنع إسرائيل من تقويض الدور القطري بما قد يربك أي ترتيبات مستقبلية.

ويبقى أن هذه الخطوة، برغم قوتها الرمزية، تحمل عناصر هشاشة. فهي ليست معاهدة، ويمكن لإدارة أميركية لاحقة أن تتراجع عنها، كما أن صياغتها المبهمة تترك مساحة واسعة لواشنطن لتحديد طبيعة الرد في حال تعرض قطر لهجوم.

وقد يكون هذا الغموض مقصوداً، فهو يمنح الولايات المتحدة مرونة استراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يبقي الدوحة معلقة بين الشعور بالحماية وبين إدراك حدود الالتزام الأميركي.

وتعكس ضمانات ترامب الأمنية لقطر إعادة تموضع للسياسة الأميركية في المنطقة: دعم مباشر لحليف قادر على لعب دور الوسيط، تقييد جزئي للهامش الإسرائيلي، ورسالة ضمنية لبقية الخليج بضرورة إعادة ترتيب علاقاتهم الأمنية في ضوء تفاوت مستويات الالتزام الأميركي.

وأما على المدى الأبعد، فإن هذا التعهد يضع قطر في موقع متقدم على خريطة النفوذ الإقليمي، لكنه يفتح الباب أيضاً أمام سباق خليجي للحصول على ضمانات مماثلة، بما قد يعيد تشكيل موازين الأمن والسياسة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.