كانت حصة دراسية عادية، أو هكذا ظننتها. لكن في منتصف الدرس لفت نظري طفل جديد بين التلاميذ، مختلف في هدوئه ودفئه. كان يمدّ يده لمساعدة زملائه، يشارك بابتسامة، وينصت بانتباه كأنه يقرأ ويردد بقلبه لا بلسانه. لم أتمالك نفسي من الإعجاب بسلوكه، وفي نهاية اليوم قررت أن أنتظر عند باب الصف لألتقي بوالديه وأشاركهما فخري بهذا الطفل الجميل.

خرج الصغار، هرولوا نحو ذويهم، وبقي هو يلوّح لي حتى وصلت أمّه، امرأة يكسو وجهها نور من تعبٍ كريم. أخبرتها كيف أن ابنها كان متعاونًا ومحبًا ومشاركًا، فابتسم الطفل بسعادة طافحة، ثم مضى مع إخوته بخفة الطيور.

اقتربت الأم منّي، وقالت بصوت خافتٍ لكنه واثق: "مررنا بظروف قاسية يا آنسة، حيث كان والدهم قاسيًا، سريع الغضب، يرفع صوته ويده معًا. لكننا قررنا ألا نحارب القسوة بالقسوة، ولا العناد بالعناد. قررنا أن نُضاعف الحب. كنت أضمّهم أكثر في حضني، وأهمس في آذانهم بأننا قد خُلِقنا للمحبة ، وأدعو أباهم أن يرى فينا ما كان يغيب عنه. ومع الوقت تغيّر ، صار أكثر قربًا وهدوءًا. صدقيني، الحب يا إلهام هو أكسجين الحياة".

بعد أن غادرت وقفت أتأمل كلماتها طويلًا، كم من بيتٍ في بلادنا يختنق اليوم لأننا نسينا أن الحب هو الأكسجين الذي يُبقي أرواحنا صالحة للتنفس، وأن الغضب لا يُطفئ النار بل يزيدها اشتعالًا. البيت الذي يُصرّ على تدفئة نفسه بأكسجين المودة، حتى في أقسى الظروف، ينشئ أبناءً يعرفون كيف يختلفون دون أن يكرهوا، وكيف يتألمون دون أن ينتقموا.

الطفل الذي يتعلم في منزله أن الكلمة الطيبة تسبق العقوبة، وأن الخطأ فرصة للفهم لا للإهانة، وان الاختلاف ليس سبباً للطرد، سيكبر ليؤمن أن العدالة ليست ثأرًا، بل إنصافًا ورحمة.

حين يتربّى الصغار على الرحمة والاعتراف بالخطأ والحوار، من المستحيل أن يكبروا وهم يرفعون شعارات الانتقام واللعنة والموت أو التمييز.

الأسرة اليمنية يمكنها أن تكون نواة العدالة الانتقالية الحقيقية، إن آمنت أن إصلاح القلوب يسبق إصلاح القوانين.

وفي المدرسة أيضًا، يمكن أن نُعيد تعريف العدالة. حين تقلع المعلمة من أصيص صفّها كل حشائش الحقد والسخرية والتنمر، تنمو الغِراس في حقل المجتمع دون أن تحمل أي آفة.

المعلم الذي يُنصت لتلميذه الضعيف قبل المتفوّق، يُعلّم طلابه معنى المساواة. ويعين الضعيف ويرفعه ليقف وهو يشبك يده بيد زميله القوي بمودة و بجدارة انما يَقلِب موازين القوة السلبية ، والمناهج التي تزرع في سطور كتبها بذور قيم الحوار والتسامح، إنما تزرع في مستقبل اليمن أشجار الوعي وارفة الظلال لتحمي المجتمع من حر وغبار الكراهية.

نحن اليوم ..!!

بحاجة إلى أكسجين المحبة في أسلوب تربيتنا، اكسجين التعاون للحد من الصراخ ، اكسجين التفهم للقضاء على التعصب ، أكسجين التعايش لمنع طرد المختلف من المجموعة.

كي يتربّوا أجيالنا على التعايش والتسامح، لا على الثأر والتمييز.

فلنحكي لأطفالنا قصصًا عن التسامح لا عن الثأر، نعلّمهم أن من يعتذر لا يُهان، ومن يغفر لا يُضعف.

ولنكفّ عن تربية الأبناء بالخوف، فالمجتمعات التي تخاف لا تُبدع، بل تُعيد إنتاج الخوف بأسماء مختلفة.

ولنزرع في صفوفنا لغة الاحترام المتبادل، فكل كلمة عدلٍ تُقال في المدرسة تُسكت رصاصة محتملة في المستقبل.

أننا لن نخرج من عدالة الانتقام والانتقائية إلا إذا عدنا لتربية الجيل القادم على العدالة الإنسانية، التي تنظر إلى نُبل الإنسان لا إلى انتمائه.

فهذا الجيل الذي سيبني يمنًا جديدًا لا يُقسّم أبناءه إلى ضحايا وجلادين، بل إلى شركاء في شفاء الجرح الكبير.

"حين يُصبح الحب منهج حياة، تتحول العدالة من شعارٍ يُرفع إلى واقعٍ يُعاش" .

ودمتم سالمين.