> "الأيام" العرب اللندنية:

​مقديشو - على امتداد الساحل الشرقي لأفريقيا، وتحديدًا قبالة السواحل الصومالية المطلة على خليج عدن والمحيط الهندي، ظل شبح القرصنة يخيّم على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مهددًا حركة التجارة الدولية التي تمر عبر هذا الطريق الحيوي.

وخلال السنوات الأخيرة نجحت الجهود الدولية في الحد بشكل كبير من الظاهرة، لكن سرعان ما عاد هذا التهديد إلى الواجهة، مع تواتر التقارير في الأيام الأخيرة عن هجمات لقراصنة استهدفت سفن شحن وصيد قبالة السواحل الصومالية.

وقالت شركة أمبري للأمن البحري الخميس إن ناقلة منتجات ترفع علم مالطا اعتلاها قراصنة قبالة سواحل الصومال.

وبحسب بيان للشركة “اقترب قراصنة على متن زورق وأطلقوا النار على الناقلة.”

وذكرت الشركة أن القراصنة استخدموا مركبا شراعيا يرفع العلم الإيراني جرى الاستيلاء عليه في وقت سابق. وأفادت أمبري بأن الناقلة كانت في طريقها من سيكا بالهند إلى دربان بجنوب أفريقيا.

وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية في بيان منفصل إن أشخاصا صعدوا على متن سفينة جنوب شرقي إيل في الصومال.

وكانت مصادر بحرية كشفت الاثنين أن مسلحين هاجموا ناقلة نفط تجارية قبالة سواحل مقديشو وأطلقوا النار على السفينة بعد محاولتهم الصعود على متنها في أول واقعة يشتبه في أنها قرصنة مصدرها الصومال منذ 2024.

كما اقترب زورق سريع من سفينة صيد ترفع علم سيشيل هذا الأسبوع.

وأثارت هذه الهجمات ووقائع أخرى الخوف على الممر الملاحي الذي يتم من خلاله نقل الطاقة والبضائع إلى الأسواق العالمية، وهو ما دفع قوة مكافحة القرصنة التابعة للاتحاد الأوروبي إلى إرسال سفينة حربية للمنطقة.

وظهرت القرصنة الصومالية بشكلها المنظم مطلع الألفية الجديدة، لكن جذورها تعود إلى أوائل التسعينات من القرن الماضي، عندما انهارت مؤسسات الدولة الصومالية إثر سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991.

ومع غياب الحكومة المركزية والقوات البحرية، تحولت السواحل الصومالية إلى مناطق مفتوحة للصيد غير المشروع من قبل سفن أجنبية، مما دمّر مصدر رزق الآلاف من الصيادين المحليين.

وفي ظل هذا الواقع بدأ بعض الصيادين المسلحين بتشكيل مجموعات لحماية مياههم الإقليمية، إلا أن الأمر سرعان ما تحوّل إلى نشاط إجرامي منظم يدرّ أرباحًا ضخمة، مع تزايد عمليات احتجاز السفن التجارية وطلب الفدية مقابل إطلاق سراحها.

وبين عامي 2008 و2012 بلغت القرصنة الصومالية ذروتها، حيث كانت العشرات من السفن تتعرض سنويًا لهجمات مسلحة في خليج عدن والمحيط الهندي. وتشير تقديرات منظمة الملاحة الدولية إلى أن الخسائر الناتجة عن هذه العمليات وصلت إلى نحو 7 مليارات دولار سنويًا، شملت تكاليف الفديات، والتأمين البحري، وتحويل مسارات السفن إلى طرق أطول وأكثر أمانًا.

وتحولت بعض المدن الساحلية الصومالية -مثل إيل وهوبو في إقليم بونتلاند- إلى مراكز مالية موازية، تضخ فيها الفديات مبالغ هائلة من العملات الأجنبية. وكانت الأموال تتدفق على السوق المحلي، فتنتعش التجارة مؤقتا، لكن ذلك عزز في الوقت نفسه نفوذ العصابات المسلحة وعمّق ظاهرة الفساد، لتصبح القرصنة مصدر رزق رئيسيًا لآلاف الأسر.

لم تقتصر آثار القرصنة على الاقتصاد، بل خلفت أزمات إنسانية مؤلمة. فقد تعرّض المئات من البحارة للاختطاف والاحتجاز في ظروف قاسية، بعضهم قضى شهورًا أو حتى سنوات في الأسر، بعيدًا عن ذويه. وتحدث ناجون عن معاملة غير إنسانية وابتزاز نفسي مستمر، بينما كانت الشركات المالكة للسفن تتفاوض عبر وسطاء لدفع الفدية المطلوبة.

ورغم أن القراصنة غالبًا ما تجنبوا قتل الرهائن لتجنب الانتقام الدولي، فإن بعض الحوادث الدموية تركت أثرًا عميقًا في الرأي العام العالمي، ودقت ناقوس الخطر حول هشاشة الأمن البحري في تلك المنطقة الحساسة.

وأمام تفاقم الخطر تحرك المجتمع الدولي بشكل غير مسبوق. ففي عام 2009 أُنشئت عدة بعثات بحرية دولية لحماية السفن، أبرزها عملية “أتلانتا” الأوروبية، وقوة المهام المشتركة 151 التابعة للبحرية الأميركية. كما شاركت الصين والهند وروسيا واليابان بإرسال بوارج حربية لتأمين ممرات التجارة.

وساهمت هذه الجهود في خفض عدد الهجمات بشكل كبير. فبحلول عام 2013 تراجعت عمليات القرصنة إلى مستويات شبه معدومة، بفضل الدوريات المستمرة والتدريب الذي تلقته القوات البحرية الإقليمية، إلى جانب اعتماد السفن التجارية إجراءات وقائية مثل الإبحار في قوافل واستخدام حراس مسلحين.

ورغم الانحسار الكبير في نشاط القراصنة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن التهديد لم ينتهِ تمامًا. وتشير تقارير أممية إلى أن بعض العصابات تحاول إعادة تنظيم صفوفها في ظل ضعف الرقابة الدولية وانشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى.

وقد سجلت في عامي 2023 و2024 بعض الحوادث المنعزلة لاختطاف قوارب صيد وسفن صغيرة، ما أثار مخاوف من عودة الظاهرة تدريجيًا، خاصة في ظل التوترات الإقليمية في البحر الأحمر وخليج عدن.

ويشكل خليج عدن أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره أكثر من 20 ألف سفينة سنويًا تحمل النفط والغاز والبضائع بين آسيا وأوروبا. وأي تهديد لأمن هذا الطريق ينعكس فورًا على أسعار النقل والتأمين وعلى سلاسل الإمداد العالمية.