يُحكى أن القرية كانت بالأمس أجمل من الزمن الحاضر، وفي المدينة يقولون أن عدن مثلًا كانت جميلة في الثمانينيات حد الدهشة.

في مواسم الزراعة بالريف الجنوبي حكايات تؤنس القلب، يتسامر الأهالي فيتحدثون عن أيام النعمة يقولون: كانت السلعة الغذائية في التعاونية الاستهلاكية رخيصة، وكانت الأرض تجود بالحبوب، الواحد منا لا تعوزهُ الحاجة، ولا يعرف شيئًا عن مفردة "الفقر".

ولا يسمع بها..

طيلة 26يومًا مكث كاتب السطور في قريته "شعب" حاضرة بلاد الصبيحة، شارك خلالها المزارعين في الوادي والجبل موسم الحصاد الذي كان طيبًا ووافرًا.

رأيتُ في غمرة انهماك الأهالي بجني محاصيلهم، أن القرية الجنوبية بخير، وأن الحالة الاقتصادية سوف تنتعش، في حال حافظ سكان القرية على هذا الزّخم من النشاط الزراعي، والمحافظة على التربة من الانجراف.

لكن يبقى على السلطات المحلية في المديريات مسؤولية دعم المزارعين، كما هو واجب الحكومة، لإعادة إصلاح ما خرّبته السيول في الأشهر الماضية.

نريد أيضًا أن تبادر وزارة الزراعة والمجلس الانتقالي لإرسال فِرَق لحصر الأضرار وتقديم الدعم، لأن القرية الجنوبية رافد لا يُستهان به في النهوض الاقتصادي وتحقيق الاكتفاء من الحبوب، لاسيما إذا أُعدّت خطة لزراعة القمح وتنويع البذور، بدلًا من اقتصار الفلاحين على محصول الذرة الرفيعة "الغَرِب" والدُّخن.

خلال فترة توقف الراتب لأربعة أشهر نشط المزارعون في حراثة الأرض وتربية الماشية، ودأبوا لتوفير أكبر قدر من الأعلاف والحبوب، لكن الثغرات الحاصلة برزت في عدم الحفاظ على الزرع النابت الجديد الذي يعقب الزرع الأول أو ما يسمونهُ الزُّرّاع بـ"العَقْب"، وذهبوا لنفش أغنامهم والرعي به بدلًا من تركه يترعرع وينمو وإعادة حصده من جديد وخزنه للماشية كطعام في أيام الجدب وانقطاع الموسم وجفاف المراعي، لأن الكثير منهم يؤثر الدعة والكسل بدلًا من الاستمرار في العمل ومواصلة الجهد والحفاظ على الماء والاخضرار..

يُخبِر القدامى من المزارعين، أن المواطن يكون سببًا أحيانًا في الجفاف وعدم المحافظة على الاخضرار، بسبب عدم الصبر على تربية الزرع وتركه ينمو، وبعضهم يقول أن كثير من البيوت صارت تعتمد في طعامها على القمح والدقيق والأرز القادم من البحر، ويُباع في الأسواق، وتُرِكَت حبوب الأرض التي تكتنز قيمة غذائية وصحية كبيرة وخالية من أي إضافات أو معالجات..

أين ساسة البلد من العناية بالقضية الزراعية، أليس كل ما نستهلكه من غذاء هو من ثمرات الأرض، وكل هذه المعروضات التي تزخر بها المولات والسوبر ماركات والبقالات من الطعام والشراب هو إنتاج هذا التراب الذهب، الذي أهملناه ولم نعطهِ بالًا..

كما يقصُّ كبار السن في القرية الجنوبية الذين ارتبطوا بالأرض منذ نعومة أظفارهم، كيف كانت مواسم الزراعة تأتي في مواعيدها، وأن صوت الرعد وهطول الأمطار يبدأ مع حلول الصيف، فتروى الأرض، ويبادر الناس للحراثة والفلاحة، ويتوكلون على الله، ويلحّون عليه بالدعاء لإنزال الغيث، فلا أمور معيشة تشغلهم ولا وظائف ولا رواتب، ولا شاشات ولا جوالات، إنما ذكر الله والاستعانة به في العمل والعطاء والمثابرة.

ولنا في قصة الراعية "بنت القبائل" للشاعر الكبير أبوبكر حسين المحضار أنموذجًا في حُب القرية حين هَجَسَ بـ:

أعشق أنا قريتي وأعشق هواها

ما يطيب لي العيش في قرية سواها

أطير في جوها وألثم ثراها

وأفدي بروحي خضاريها وماها.