​في حدث «غير مسبوق»، فوجئ المواطن – ومنهم المغتربون – الراضي بقضاء الله خيره وشره، والحامد له، والصابر على ما هو عليه في عيشته وحياته، بـ«انخفاض سعر صرف الدولار والسعودي مقابل الريال اليمني».

وهو سعر استهلّت تداوله البنوك المتعدّدة، والبنوك الترانزيت، والصرافون بكافة أحجامهم الظاهرة والباطنة.

هذا الارتفاع يُعد واقعة «غير مسبوقة» في سعر صرف الريال اليمني، كونه – بالتمام والكمال – يأتي خلافًا للأحوال والأوضاع الحالية التي تتسم جميعها بالاضطراب والتدهور الجامح والمستمر والعنيف:

عدم استقرار سياسي.
توقف/غياب لأي نشاط اقتصادي منتج.
إفلاس وتشرذم مالي نتيجة غياب قطاع مصرفي كفؤ وفعال.
وضع نقدي هش (بنك مركزي هش كمًّا وكيفًا).

ومحن اجتماعية «غير مسبوقة» (احتجاجات، اعتصامات، لا رواتب).
وهذا يقودنا لا محالة إلى السؤال: كيف لسعر صرف الريال اليمني أن يرتفع مقابل السعودي والدولار؟!

إنه حدث «غير مسبوق» في قطاعات تداول العملات الأجنبية (FX) إقليميًا وعالميًا. إنها حالة «غير مسبوقة» تستحق أن تُحلَّل وتُدرَّس في كليات الاقتصاد وإدارة الأعمال. فجميع القوانين والنظريات الاقتصادية التقليدية والحديثة، وبناءً على النموذج الحي القائم «غير المسبوق» في اليمن (المذكور أعلاه)، تؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي عكس ما حدث؛ أي إن المنطقي – ولازمًا – هو تخفيض سعر صرف العملة الوطنية مقابل السعودي والدولار، لا رفعها.

وبهذا الصدد «غير المسبوق»، أصدر مجلس إدارة البنك المركزي اليمني بيانًا أعلن فيه موافقته «الضمنية»، إن لم تكن الفعلية، على سعر الصرف الجديد، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه يتابع سوق العملات بصرامة (لهجة غير مسبوقة!) ويعمل على الحد من المضاربات (كيف؟!) التي تضغط على الريال.

بالمقابل، يُتداول في وسائل التواصل الاجتماعي أن قوى السوق – وبعد الاتفاق فيما بينها – هي من اتخذت قرار «التخفيض» «غير المسبوق» وفرضته، ووضعت البنك المركزي أمام أمر واقع «غير مسبوق»! ويُشاع أن قرار هذه القوى يأتي في إطار سيناريو «تعويضها» عن الخسائر التي يدّعون حدوثها خلال التقلبات في سوق الصرف خلال الأشهر الستة الماضية؛ وهو عذر لا يمكن تبريره في سوقٍ طبيعته وبيئته تتسمان بالتقلبات، إما صعودًا أو هبوطًا، في تداول العملات على مستوى الأسواق العالمية. كما أن الخسارة في أي نشاط تعني خروج «لاعبيه» من السوق؛ ولكن، وبرغم الخسارة، فإن أعداد قوى السوق ازدادت ولا تزال في ازدياد.
الآن، أصبح سعر صرف الريال اليمني الجديد (القوي!) ساري المفعول في السوق، بمباركة البنك المركزي «غير المسبوقة».

والحدث الثاني «غير المسبوق» في موضوع سعر الصرف هو «استعراض» قوى السوق لعضلاتها أمام المواطن والبنك المركزي، عبر تحفظها وامتناعها ورفضها قبول طلبات صرف السعودي والدولار مقابل الريال اليمني. وإن وافق بعضهم – وهم قلة – فإن قبولهم يكون لمبالغ صغيرة للغاية (لا تتجاوز 50 دولارًا أو 100 ريال سعودي)، وبعد استكمال إجراءات ورقية «غير مسبوقة» من قبل العميل. وإن رضخ العميل، فإن آخر أدوات «التطفيش غير المسبوق» هو إعطاؤه فئات صغيرة (200 ريال)، تمثل عبئًا عند التعامل بها أو حفظها. قوى تتحكم أحاديًا، وتتحدى علنًا وبوضوح «غير مسبوق»، وبعلم ومعرفة البنك المركزي اليمني.

المواطن عامة – وتحديدًا المغتربين – يجدون أن هذا الوضع «غير المسبوق» يعمل ضد مصالحهم في الغربة وذويهم في الوطن، خاصة أن المغتربين وتحويلاتهم المالية تمثل الآن أهم رافد استراتيجي للعملة الأجنبية للبلد، وهي – في حجمها السنوي – أكبر من الودائع المستوردة والمشروطة بإحكام وشروط وآجال «غير مسبوقة».

على البنك المركزي أن يترجم تعهداته إلى أفعال إزاء هذا الوضع الفوضوي والخطير. لا بد من نزول ميداني موضوعي مكثف، غير مسبق الإشعار/مفاجئ! وإن قام بذلك، ففي واقع الأمر سيكون رد فعل المواطن إيجابيًا و«غير مسبوق»، يعيد الثقة، ويعوض – ولو بالحد الأدنى – من «سمعة وهيبة» البنك المركزي، التي فقدها إلى حد «غير مسبوق» خلال عقدٍ من الزمن.