> «الأيام» العرب:

لا يبدو التصعيد العسكري المتجدد في اليمن مجرد عودة إلى نمط الحرب الداخلية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ترتيب معادلة الصراع قبل أن تتحول الساحة اليمنية إلى جبهة إضافية في الحرب الإقليمية الدائرة حول إيران.

فمع اتساع المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين على أكثر من جبهة، بالتوازي مع تصاعد النشاط العسكري قرب الساحل الغربي وباب المندب، تبرز فرضية مفادها أن الحكومة اليمنية والقوى العسكرية المساندة لها تحاول توسيع دائرة الاشتباك بهدف تقليص قدرة الحوثيين على تقديم إسناد عسكري فعلي لإيران، أو استخدام موقعهم الجغرافي لفتح جبهة بحرية جديدة تهدد السعودية والملاحة الدولية.

وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة مع إعلان مصادر يمنية، في الأول من سبتمبر، سقوط ثلاثة صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون بين المخا والخوخة بالقرب من باب المندب، بالتزامن مع تجدد القتال في عدد من الجبهات الداخلية.

المؤشر الأبرز في التصعيد الحالي هو أن الساحل الغربي وباب المندب يحتلان موقعًا متقدمًا في الحسابات العسكرية. فالمواجهة لم تعد تدور فقط حول المدن والطرق والجبهات التقليدية، وإنما حول منطقة تمتلك قيمة استراتيجية تتجاوز حدود اليمن نفسه.

وباب المندب يمثل الحلقة التي يمكن من خلالها للحوثيين الانتقال من التأثير في الحرب اليمنية إلى التأثير في أمن الإقليم وحركة التجارة الدولية. ولهذا شهدت المنطقة خلال الأسابيع الماضية نشاطًا عسكريًا متزايدًا، بما في ذلك إعلان القوات الموالية للحكومة تدمير زورق مفخخ للحوثيين في المضيق، وسط تقارير عن تصاعد استخدام الزوارق والطائرات المسيرة في البحر الأحمر.

وهنا تتغير طبيعة المعركة. فبالنسبة للحكومة اليمنية، لا يتعلق الأمر فقط بمنع الحوثيين من توسيع سيطرتهم على مناطق جديدة، وإنما أيضاً بحرمانهم من ورقة جغرافية يمكن استخدامها في الصراع الإقليمي.

وقد حذرت الحكومة اليمنية مراراً من مساعي الحوثيين للسيطرة على أجزاء من الساحل الغربي والجزر اليمنية القريبة من باب المندب، وربطت ذلك، بحسب تصريحات مسؤولين فيها، بدعم وتوجيه إيرانيين.

وتزداد حساسية هذه التحركات بسبب طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران. فقد سبق للجماعة أن انخرطت عسكرياً في الحرب الإقليمية إلى جانب طهران، وأطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل، ما جعلها جزءاً من الحسابات الإقليمية للحرب، وليس مجرد طرف في نزاع يمني داخلي.

وبالتالي، فإن أي توسع جديد في قدرات الحوثيين البحرية أو الصاروخية يمكن أن يمنح إيران ورقة ضغط إضافية، خصوصاً في حال اتساع الحرب أو تعرض طهران لضغوط عسكرية أكبر.

وهنا تبدو أهمية التحرك الحكومي اليمني: قطع الطريق على تحول القدرات الحوثية من أداة في الصراع اليمني إلى منصة إسناد إقليمية لإيران.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحكومة قادرة على منع الحوثيين من إعلان مواقف سياسية مؤيدة لطهران أو الانخراط في الحرب، لكن تقليص سيطرتهم على الساحل ومهاجمة قدراتهم البحرية يمكن أن يحد من قدرتهم على ترجمة هذا الدعم إلى عمليات مؤثرة في البحر الأحمر.

ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن أمن السعودية. فأي تحول في باب المندب إلى جبهة نشطة سيضع الرياض أمام خطر فتح مسارين للضغط في وقت واحد: الحدود الجنوبية من جهة، والبحر الأحمر والمنشآت والموانئ وحركة الملاحة من جهة أخرى.

وكان الحوثيون قد صعّدوا بالفعل خلال الأسابيع الماضية هجماتهم ضد أهداف سعودية، فيما أعلنت الرياض اعتراض صواريخ أطلقتها الجماعة باتجاه أراضيها. كما ربطت تقارير بين التصعيد الحوثي وبين تهديدات أوسع للملاحة والسفن السعودية في البحر الأحمر وباب المندب.

وبالنسبة للرياض، فإن السماح بتثبيت معادلة جديدة يصبح فيها الحوثيون قوة بحرية قادرة على تعطيل الملاحة أو استهداف المصالح السعودية يعني انتقال التهديد من حدود اليمن إلى المجال البحري الأوسع.

ومن هنا يمكن فهم التقاطع بين المصالح السعودية والحكومية اليمنية: منع الحوثيين من امتلاك قدرة استراتيجية جديدة قبل أن تصبح جزءاً من معادلة الحرب الإقليمية.

غير أن توسيع دائرة الاشتباك لا يخلو من مخاطر.

فالحكومة اليمنية قد تنجح في الضغط على الحوثيين عسكريًا، لكنها في المقابل تخاطر بإعادة إنتاج حرب واسعة بعد فترة من خفض التصعيد. كما أن دفع الجماعة إلى الزاوية قد يدفعها إلى استخدام ما تبقى لديها من أوراق، وعلى رأسها الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات البحرية.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: كلما حاولت الحكومة منع الحوثيين من تحويل اليمن إلى جبهة إيرانية، زادت احتمالات أن تتحول اليمن نفسها إلى ساحة أكثر ارتباطًا بالحرب الإقليمية.

كما أن أهمية باب المندب تجعل أي تصعيد فيه يتجاوز أطراف الحرب اليمنية. فتهديد الملاحة في المضيق يمكن أن ينعكس سريعًا على طرق التجارة والطاقة، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بأمن البحر الأحمر، بما في ذلك عقد جلسات أميركية حديثة حول تهديد الحوثيين وأمن الملاحة في المنطقة.