> «الأيام» المجلة اللندنية:
تستميت جماعة الحوثيين، المتحالفة مع إيران من أجل تحقيق "حلم طهران" القديم-الجديد في الوصول إلى مضيق باب المندب والسيطرة عليه وإغلاقه في وجه الملاحة الدولية في محاولتها لتخفيف الضغط الأميركي عليها، وجاء التصعيد الحوثي الواسع ليكشف عن هذه النوايا.
كان من الواضح أن إيران تحاول استدراج السعودية إلى مواجهةٍ من نوعٍ ما معها، إلا أنها لن تحتمل هذه المواجهة بشكلٍ مباشرٍ مع بلدٍ محوري كبيرٍ كالمملكة ذات التحالفات الدولية السياسية والعسكرية القوية.
فقررت على ما يبدو استخدام الورقة الحوثية للتحرك تحت شعار المطالبة برفع الحصار المفروض على الجماعة.
من جانبها، بدت السعودية مدركةً لهذه المحاولة التي حاولت إيران إيقاعها فيها، فقررت تجنب استفزازات الحوثيين وعدم العودة إلى مهاجمتهم وشكلت تحالفا بحريا دفاعيا عن الملاحة في البحر الأحمر ودخلت في تحالف آخر مع كل من تركيا وباكستان للغرض نفسه.
غير أنها في الوقت ذاته قررت، وهذا هو الأرجح في نظر محللين عدة، أن تلقي بثقلها السياسي والمالي وراء الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لإعادة بناء قدراتها العسكرية بشكل لا بد أنه كان صادماً للحوثيين بعد استخدام الجيش اليمني لمنظومة من الطائرات المسيرة الأكثر تطورًا مما لدى الميليشيات الحوثية، وكذلك عقب دخول سرب من طائرات "إف-16" في المواجهات في عدد من جبهات القتال في مأرب والجوف والضالع.
ما فعلته ميليشيات الحوثيين من خلال تصعيدها الأخير في محاولتها إيجاد موطئ قدمٍ لها في الساحل الغربي لليمن على مقربةٍ من مضيق باب المندب يشبه في طريقته وغاياته العبث نفسه الذي تمارسه طهران اليوم في مضيق هرمز، ما قد يستوجب ردا عالميا وإقليميا موحدا ومنسقا، غير مستبعد إلى حد كبير، يشمل تمكين اليمن أكثر من حماية أراضيه ومياهه الإقليمية فوصول الميليشيات إلى باب المندب أمامه تحديات ووراءه عواقب لا قبل لهذه الميليشيات ولا لإيران بتحملها.
يجمع كثير من الخبراء والمحللين على أن من شأن وقوع جنوب الساحل الغربي لليمن في قبضة الميليشيات الحوثية المتحالفة مع إيران أن يمثل تحولًا استراتيجيًا لمصلحة طهران على حساب جميع الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية وكذلك مصر التي أكد رئيسها عبدالفتاح السيسى قبل أيام على أن أمن هذا الممر المائي الحيوي هو "مسؤولية الدول المشاطئة فقط".
في واقع الأمر، إن خيار الجماعة بالاستمرار في استهداف السفن التجارية السعودية وموانئ المملكة على البحر الأحمر سقط بعد أن تأكد للميليشيات عدم جدوى هذا الخيار. كما أن مسعى ميليشيات الجماعة شرقًا نحو مأرب الغنية بالنفط لتأمين مصدر للطاقة، خاب تحت الضربات الجوية والقصف المدفعي اللذين تلقتهما عناصر الميليشيات في محيط مأرب.
بعدما تجاوز أغلب اليمنيين خلافاتهم، فإنهم يرون الآن أن أمامهم "معركة مصيرية واحدة وعدو واحد هو الحوثي" حيث يرى السفير اليمني لدى المملكة المتحدة، ياسين سعيد نعمان، أنه "لا خيار سوى أن ينكسر الحوثي ويهزم غرب تعز، وتتحول مقبنة إلى مقبرة لمشروعه الحربي الخبيث".
ويتفق يمنيون كثر على أن ما يحدث اليوم في جنوب غرب اليمن ليس صراعا يمنيًا وليست له علاقات بمزاعم الحوثيين عن معاناتهم من الحصار الذي يفرضه التحالف العربي.
إلى جانب ما يحدث في اليمن، فإن الاعتداءات الإيرانية على بعض دول الخليج ومعها الأردن، خلال الأيام القليلة الماضية تبرهن على صعوبات حقيقية في التعامل مع السلوك الإيراني الذي تجاوز حدوده مع دول الجوار العربي كافة في إطار النزاع مع واشنطن.
بما أن ما يجري بالقرب من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ليس بمعزل عن انتهاكات إيران لسيادة الدول العربية الأخرى الجارة، فإن السؤال اليوم هو كيف يمكن لليمن أن يكون معادلًا موضوعيًا واستراتيجيًا لأمن الجزيرة والخليج في مواجهة هذه الفوضى العسكرية والأمنية الحاصلة في محيطه؟.
بالتزامن مع نهاية شبه متوقعة للصراع في اليمن، سواء عسكرية أو سياسية، فقد عادت سيناريوهات قديمة جديدة تُطرح للتداول والنقاش بشأن مستقبل هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي المهم وبالأخص منها هل سوف تترك دول الخليج العربية الغنية بالنفط هذا
الجار الفقير ذا الأهمية الجيوسياسية البالغة في حسابات المصالح الدولية وحيدا أمام التجاذبات الإقليمية، وكذلك بشأن ما إذا كان استبعاد اليمن من الانضمام إلى المنظومة الخليجية ومجلس التعاون الخليجي، سببًا رئيسًا أو واحدًا من أسباب الاختراق الإيراني لدولته ومجتمعه سابقا، ولاحقا في ضعف الموقف الدفاعي لدول الخليج أمام تكرار اعتداءات إيران على أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها.
يبدو هذا السؤال اليوم موضوعيًا ووجيهًا ومبررًا، في ضوء إصرار إيران المزمن على "تشييع" دول الجوار وغير الجوار كاليمن البعيد عنها وفق منظورها الخاص المتشدد للإسلام، وعلى "عسكرة" كامل المنطقة مثل جنوب الجزيرة العربية بما تعتقد أنه سوف يؤدي في النهاية إلى محو إسرائيل كدولة احتلال، كمفهوم سياسي دولي لا خلاف عليه منذ عام 1967، وإلى زوال الولايات المتحدة كـ"قوة استكبار" عالمية على حد وصف ملالي طهران وفقهائها وؤسائها منذ ما يقرب من نصف قرن.










