> نواف عبيد

​بات اندلاع حرب كبرى جديدة بين السعودية والحوثيين أمرًا لا مناص منه، في وقت أمضت فيه الرياض سنوات تسعى جاهدة لتفادي هذه النتيجة على وجه التحديد.

وعكس ضبط النفس السعودي قرارًا بإنهاء الحرب في اليمن، والتركيز على مسار التحول الاقتصادي، والحيلولة دون أن تؤدي النزاعات الإقليمية إلى تعطيل مستهدفات رؤية 2030.

غير أن المعضلة تكمن في استغلال الحوثيين للأراضي اليمنية للإبقاء على قدرات عسكرية موالية لإيران على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية مباشرة، مع احتفاظهم بصواريخ باليستية وطائرات مُسيّرة وقدرات هجومية بحرية تهدد الأراضي السعودية والبنية التحتية للطاقة وحركة الملاحة البحرية.

وبالنسبة إلى الرياض، فإن استمرار وجود هذه المنظومة العسكرية بات أمرًا غير قابل للاستمرار من الناحية الاستراتيجية.

وما زاد من إلحاح المشكلة هو الاستراتيجية الإيرانية الأوسع نطاقًا؛ إذ زرعت إيران ألغامًا في المداخل المؤدية إلى الخليج ومضيق هرمز، وكانت ناقلات نفط سعودية من بين السفن المستهدفة، في حين شن الحوثيون هجمات على ناقلات سعودية في البحر الأحمر ومنشآت للطاقة على الساحل الغربي للمملكة.

ولذلك، أصبح أمن اليمن والممرات المائية المحيطة به مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا باستقرار النظام الاقتصادي العالمي.

تواجه المملكة العربية السعودية أيضًا تهديدًا قادمًا من وكلاء إيران في الشمال؛ إذ أطلقت ميليشيات شيعية مدعومة من طهران في العراق طائرات مُسيّرة استهدفت منشآت طاقة سعودية.

وكانت الرياض قد حذرت بغداد وطالبتها بفرض السيطرة على هذه التنظيمات، لتبادر لاحقًا إلى استهداف مخازن أسلحة تابعة لتلك الميليشيات ومرافق لوجستية ومراكز للقيادة والسيطرة، إثر تواصل تلك الهجمات.

وجاءت الرسالة حاسمة ومباشرة: لن تكون الأراضي العراقية ملاذًا لشن هجمات ضد المملكة العربية السعودية، وأي إخفاق جديد من جانب بغداد في كبح جماح هذه الجماعات سيستدعي ردًا سعوديًا أوسع نطاقًا وأشد وطأة.

خلال الحرب مع إيران، انتقلت القوات الجوية الملكية السعودية من وضعية الدفاع عن أراضي المملكة إلى شن ضربات هجومية متتابعة استهدفت البنية التحتية للصواريخ والطائرات المُسيّرة الإيرانية، والمنشآت العسكرية للحرس الثوري، والمواقع البحرية الساحلية المرتبطة بالهجمات التي طالت المملكة.

وقد أتاح لها أسطولها الضخم من مقاتلات الجيل «4.5»، المكوّن من طائرات «إف-15 إس إيه سترايك إيغل» ويوروفايتر تايفون (من فئتي ترانش 2 وترانش 3A)، تنفيذ موجات متعاقبة لفرض قوة قتالية متصاعدة، مع الاحتفاظ بقوات كبيرة لعمليات أخرى وللدفاع عن العمق الوطني.

وبذلك، تستطيع المملكة العربية السعودية تحقيق تفوق جوي محلي كاسح دون الحاجة إلى تركيز كامل أسطولها القتالي في مسرح عمليات واحد.

وعليه، فإن المملكة مستعدة لخوض حملات عسكرية كبرى على جبهتين في وقت متزامن، مع الاحتفاظ بما يكفي من القوات للدفاع عن أراضيها ضد التهديدات المنبعثة من جبهة ثالثة.

بيد أن مركز الثقل في هذه الحرب المتجددة في اليمن سيكون قيادة القوات المشتركة التي تقودها السعودية.

فمنذ عام 2015، شهدت هذه القيادة تطورًا هائلًا لتتحول إلى هيكل القيادة القتالية الذي تنسق الرياض عبره بين القوات السعودية، والقوات المسلحة اليمنية، والتشكيلات اليمنية الرديفة المنتشرة حول المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

ويكتسي المكون اليمني أهمية استثنائية، إذ أثمرت عملية إعادة الهيكلة التي قادتها السعودية عن قوة قتالية يمنية أكثر تماسكًا، وأظهرت هذه التشكيلات مؤخرًا أداءً تصاعديًا لافتًا في المواجهات الميدانية ضد الوحدات الحوثية.

وتتمثل المحصلة في وجود مكون بري أقوى بكثير مما كان عليه الوضع عند بداية التدخل العسكري عام 2015، وهو متمركز بالفعل عبر عدة جبهات تحيط بالمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.

ويكتمل الهيكل العملياتي بالتحالف البحري الذي تقوده السعودية؛ حيث يضم هذا التحالف المكوّن من 14 دولة قوات بحرية إقليمية وأخرى شريكة تحت قيادة المملكة، بغية حماية الملاحة التجارية وتأمين مياه البحر الأحمر وبحر العرب وخليج عدن.

وتشكل قيادة القوات المشتركة، والعمليات الجوية بقيادة السعودية، والتحالف البحري مجتمعةً، الأركان البرية والجوية والبحرية لحملة عسكرية متناسقة ومحكمة.

وإلى جانب ذلك، رسخت المملكة العربية السعودية عمقًا استراتيجيًا يتجاوز مسرح العمليات المباشر عبر «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مع كل من باكستان وتركيا، وهو ما يربط الرياض بأقوى جيشين في العالم الإسلامي.

إذ تسهم باكستان بجيش جرار ذي خبرة قتالية عريضة وبالوزن الاستراتيجي لقوة نووية.

في حين تسهم تركيا بثاني أضخم جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وخبرات عملياتية واسعة، وقاعدة تصنيع دفاعي كبرى.

وتحمل اتفاقات مكة في طياتها أبعادًا تتجاوز حدود الاتفاقية الثلاثية بحد ذاتها؛ إذ تضع اللبنات الأولى لمنظومة أمن إقليمي جديدة تتمحور ركائزها حول السعودية، ومن شأنها أن تستقطب معظم دول الخليج العربية، والغالبية العظمى من الدول العربية، فضلًا عن دول إسلامية محورية في إفريقيا وآسيا.

وبالتالي، فإن وضع حد للظروف العسكرية التي تُطيل أمد هذا الصراع لا يقل أهمية، لجهة منح اليمن فرصة حقيقية لإعادة البناء والتعافي أخيرًا، عن كونه مطلبًا حيويًا لتأمين المملكة العربية السعودية.

وعليه، فإن اندلاع حرب أخرى بين السعودية والحوثيين بات أمرًا حتميًا؛ فالوضع الراهن لم يعد قابلًا للاستمرار بالنسبة إلى السعودية أو لليمن، أو للنظام الاقتصادي العالمي القائم على التدفق الآمن لإمدادات الطاقة عبر المنطقة.

لقد أمضت الرياض سنوات تحاول تجنب حرب جديدة، بينما كانت تبني في الوقت ذاته موقعًا عسكريًا مغايرًا تمامًا، بعدما تبدد الهامش الاستراتيجي لضبط النفس.

وستحمل الحملة المقبلة، بناءً على ذلك، ثلاثة أهداف استراتيجية متشابكة: نزع قدرة الحوثيين على استخدام الأراضي اليمنية كجبهة عسكرية دائمة ضد السعودية، وفتح الباب أمام جهود إعادة إعمار اليمن، فضلًا عن حماية شرايين الطاقة والملاحة البحرية التي يرتكز عليها شطر واسع من النظام الاقتصادي العالمي.

مسؤول ودبلوماسي سعودي سابق
زميل أبحاث أول في قسم دراسات الحرب بكلية كينغز كوليدج لندن.