> «الأيام» إرم نيوز:

​مع سعي الحوثي إلى توسيع حضورها العسكري قرب مضيق باب المندب، تكسب المعارك الدائرة على الساحل الغربي لليمن، أهمية تتجاوز حدود خطوط التماس المحلية، لتلامس إعادة تشكيل خريطة الانتشار العسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في معادلة أمن البحر الأحمر.

وفي قلب هذه المواجهة، تبرز مديرية حيس، جنوبي الحديدة، كإحدى أهم مفاتيح المعادلة العسكرية، بعد إعلان القوات المسلحة اليمنية، السبت الماضي، استكمال السيطرة عليها وتأمين مناطقها الريفية، بالتزامن مع تقدمها نحو تخوم مديريتي الجراحي وجبل رأس، جنوبي وشرقي محافظة الحديدة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز ثقل عسكري وبحري للحوثيين.

ولا تبدو أهمية هذا التطورات متعلقة بحيس وحدها، بقدر ما ترتبط بموقعها في شبكة الحركة العسكرية بين الساحل والمناطق الداخلية، وبقدرتها على التأثير في اتجاهات القتال جنوب الحديدة وغرب تعز، في وقت يحاول فيه الحوثيون الحفاظ على ممرات الحركة جنوباً، وصولاً إلى المخا والمناطق الأقرب إلى باب المندب.
  • عقدة جغرافية
تقع حيس في الجزء الجنوبي الشرقي من محافظة الحديدة، ضمن نطاق جغرافي متصل بمحافظة تعز، وتربطها بالساحل ومناطق الداخل اليمني شبكة من الطرق والمسارات الممتدة غربًا نحو الخوخة، وجنوبًا وشرقًا باتجاه محاور غرب تعز ومديرية جبل رأس والمناطق المتصلة بمحافظة إب.

وتمنح هذه الوضعية المديرية قيمة عملياتية خاصة، في ظل موقعها بين خطوط تتحرك عبرها القوات نحو الشمال والجنوب والشرق، ما يجعل السيطرة عليها عاملًا مؤثرًا في تأمين طرق الإمداد والحركة، كما يمكن من خلالها الحد من قدرة الحوثيين على استخدام المنطقة كمساحة للمناورة أو الالتفاف على القوات المنتشرة في الساحل.

وتزداد حساسية هذا الموقع مع اتساع رقعة المواجهات في محيط حيس، بالتوازي مع القتال المشتعل منذ أيام في مقبنة والبرح وسقم غربي تعز، بما يجعل هذه الجبهات جزءًا من مسرح عمليات واحد تتداخل فيه اتجاهات التقدم والتراجع والإسناد.
  • وقف الاندفاع الحوثي
وبالنظر إلى طبيعة تحركات الحوثيين الأخيرة في الساحل الغربي، تكتسب السيطرة على حيس أهمية كبيرة، خصوصا مع حرص الميليشيا على الحفاظ على عمقها البري جنوبا وفتح مسارات ضغط باتجاه مناطق الساحل، بما في ذلك المحاور المؤدية إلى المخا ضمن مسار يمكن أن يقربها تدريجيًا من المناطق المطلة مباشرة على مضيق باب المندب.

ومن هذه الزاوية، فإن تثبيت حيس وتأمين ريفها يقلص إحدى المساحات التي يمكن أن تتحرك عبرها القوات الحوثية جنوبًا، ويجعل من أي محاولة لإعادة دفع خطوطها باتجاه المخا أكثر كلفة من الناحية العسكرية.

كما أن تقدم القوات الحكومية باتجاه مواقع جنوب الجراحي وشرقًا نحو جبل رأس لا يمنح القوات مساحة ضغط إضافية فحسب، بل يفرض على الحوثيين التعامل مع أكثر من اتجاه في آن واحد، بدلًا من تركيز جهدهم على محور واحد يمكن عبره الضغط باتجاه جنوب البحر الأحمر.

وهذا ما يجعل المعركة على حيس مرتبطة بصورة مباشرة بالمعركة الأوسع على الممر البري المؤدي إلى باب المندب. وبالتالي، فإن نجاح القوات الحكومية في تثبيت مواقعها في جنوب الحديدة وغرب تعز وتوسيع نطاق اختراقاتها، يقلص من إمكانية تحويل الساحل الغربي إلى شريط عملياتي متصل يسمح بالتحرك الحوثي نحو المخا.
  • تحصين المكسب
وعلى المستوى الدفاعي، لا يقل تأمين ريف حيس أهمية عن مركزها؛ فضواحي المديرية غير المؤمّنة كانت تترك ثغرات يمكن استغلالها في عمليات التسلل والقصف والهجمات المباغتة، كما تبقي خطوط الحركة والإمداد عرضة للاستهداف.

ومن شأن إحكام سيطرة القوات الحكومية على هذه المساحات، أن يمكّنها من فرض عمق دفاعي أكبر، ويسمح لها بتثبيت مواقعها وإنشاء نطاق أمني أكثر اتساعاً حول حيس، بما يصعّب على الحوثيين استعادة زمام المبادرة عبر هجمات خاطفة.

وهنا تأتي أهمية السيطرة على المرتفعات والمواقع الحاكمة في المديرية، وعلى رأسها جبل دوباس، الذي وصفته مصادر ميدانية بأنه موقع استراتيجي مطل على حيس، ما يعطي القوات قدرة أفضل على الرصد ومراقبة التحركات، ويساعدها في حماية وحداتها المنتشرة في المناطق المنخفضة والطرق المحيطة بالمديرية.

وبذلك، تتحول حيس من منطقة قابلة للاختراق إلى مساحة دفاعية أكثر تماسكا، يصعب استخدامها كنقطة ضغط خلفية على القوات الحكومية، وفي الوقت نفسه تصبح قاعدة يمكن الانطلاق منها لتنفيذ عمليات أوسع على خطوط التماس المجاورة.
  • أبعاد بحرية
ويمنح البعد البحري للصراع هذه التطورات وزنا إضافيا، فالحديدة تمثّل مركزا متقدما للحوثيين على البحر الأحمر، وتوفر لهم عمقا جغرافيا يمكن من خلاله إدارة القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والأنشطة المرتبطة بتهديد الملاحة الدولية.

ولا يقتصر منع الحوثي من تمديد نفوذها نحو المخا والمناطق البرية المطلة على باب المندب بمسألة حدود النفوذ على الساحل، وإنما بالحيلولة دون اقتراب الثقل الحوثي من نقطة الاختناق البحري جنوب البحر الأحمر، بما قد يتيح تكامل النشاط البري مع القدرات البحرية والصاروخية.

وهذا ما يجعل السيطرة على حيس ذات دلالة تتجاوز حدودها الإدارية؛ فهي تقع في موقع يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في قدرة الطرفين على إعادة توزيع قواتهما والتحكم في ممرات الحركة بين الساحل والداخل.

ومع ذلك، فإن السيطرة عليها لا تعني بمفردها حسم معركة الساحل الغربي أو إسقاط دفاعات الحوثيين في جنوبي الحديدة، لكنها تمثل اختراقًا ميدانيًا مهمًا، لأنها تنقل القوات الحكومية من محاولة احتواء الهجوم إلى إعادة تشكيل خطوط المواجهة.

وتكمن القيمة الأهم لهذا الاختراق في إمكانية البناء عليه، فإذا نجحت القوات في تثبيت مواقعها، والحفاظ على الاتصال العملياتي بين حيس والجراحي ومفرق البرح ومحاور غرب تعز، فإن المديرية قد تتحول من منطقة تماس إلى قاعدة ضغط على المحاور الجنوبية للحوثيين.

وفي المقابل، يدرك الحوثيون أن خسارة حيس وتأمين محيطها يضيّقان هامش الحركة أمام أي محاولة للاندفاع برياً نحو المخا ومناطق باب المندب، لذلك فإن المعركة المقبلة قد لا تكون حول حيس وحدها، وإنما حول الجغرافيا الواقعة جنوبها وشمالها، التي تحدد في النهاية من يملك القدرة على التحرك باتجاه المضيق، ومن يُجبر على الدفاع عن خطوطه الحالية.