الاثنين, 07 سبتمبر 2026
50
أخطر ما يفعله الاستبداد ليس أن يمنعك من رؤية العالم، بل أن يمنعك من معرفة أن هناك عالماً آخر غير الذي يقدمه لك.
هذه هي الحكاية التي تستحق التوقف أمامها في تجربة الحوثيين في اليمن.
فالميليشيات لم تكتفِ بالسيطرة على صنعاء ومؤسسات الدولة فيها ، ولم تجعل السلاح وسيلة لإخضاع الناس فقط، بل عملت على إغلاق المجال الذي يتحرك فيه الإنسان:
معلوماته، وعلاقاته، وحركته، وحقه في السؤال والاختلاف.
إنها محاولة لعزل الجغرافيا نفسها عن العالم.
فالإنسان في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثيين يعيش في بيئة تضيق فيها منافذ التواصل الحر.
الأخبار والمعلومات تصل عبر قنوات تسيطر عليها الجماعة أو تخضع لرقابتها، فيما تتراجع المساحات التي يستطيع فيها الناس الوصول إلى رواية أخرى.
وعشرات الإذاعات المحلية في محيط صنعاء لا تعني بالضرورة تعدد الأصوات ، بل هي تكرار واسع للصوت نفسه.
أما السفر، وهو أحد أبسط حقوق الإنسان في الحركة والتواصل، فقد تحول إلى ورقة سياسية. وتحرص الجماعة على خلق كل الصعاب واختلاق مبررات لإغلاق مطار صنعاء، فيما يدفع المواطن ثمن العزلة من حياته وفرصه وعلاقاته بالعالم.
ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي، التي كان يفترض أن تكسر الحواجز، لتتحول في بيئة القمع إلى مساحة أخرى للخوف والحذر والمراقبة.
ولا يحتاج القمع، في هذه المرحلة، إلى أن يضع جندياً خلف كل مواطن.
يكفي أن يعرف المواطن أن حديثه قد يُنقل، وأن منشوره قد يُفسر، وأن لقاءه بشخص آخر قد يثير الشبهة.
وهنا تحدث النقلة الأخطر: يبدأ الإنسان بمراقبة نفسه قبل أن تراقبه السلطة.
يصمت قبل أن يُطلب منه الصمت، ويزن كلماته، ويتجنب الحديث، ويعيد التفكير في الأشخاص الذين يثق بهم.
وهكذا يتحول الخوف من إجراء أمني إلى مناخ اجتماعي، وتتحول الرقابة من عين خارجية إلى عين داخلية تسكن الإنسان نفسه.
العزل ليس اكتشافاً حوثياً. إنه من أقدم أدوات القمع، واستخدمته أجهزة أمنية وأنظمة استبدادية في السجون ومراكز التحقيق، لأن عزل الإنسان عن العالم والآخرين يستنزفه نفسياً ويضعف قدرته على المقاومة.
لكن الحوثي نقل الفكرة من الزنزانة إلى الجغرافيا.
في السجن يُعزل فرد عن المجتمع، أما هنا فيُدفع مجتمع بأكمله إلى العزلة: يُعزل عن تعدد المعلومات، وعن حرية الحركة، وعن النقاش العام، وعن الرأي الآخر.
وحين تُفرض على مجتمع رواية واحدة، فأنت لا تتحكم فقط فيما يسمعه الناس، بل تبدأ تدريجياً بالتحكم في كيفية فهمهم لما يسمعون.
لكن العزلة الطويلة لا تصنع دائماً مجتمعاً مطيعاً؛ قد تصنع مجتمعاً غاضباً.
الخوف والإحباط والعجز وفقدان الثقة تتراكم داخل الإنسان. وعندما تُغلق أمامه مساحات التعبير الطبيعية، يبحث الغضب عن منفذ آخر، فتتسلل الكراهية إلى العلاقات اليومية.
يتحول الجار إلى خصم، والقريب إلى موضع شك، والمختلف إلى عدو.
ليس لأن اليمنيين هكذا، ولا لأن المجتمع الواقع تحت سيطرة الحوثيين مجتمع كاره بطبيعته، بل لأن القهر الطويل يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، ويزرع الشك ويقتل الثقة ويدفع الفرد إلى الانكفاء على ذاته.
لكن المفارقة الكبرى أن العزلة قد تنتج شيئاً أكثر خطورة من الخوف:
قد تنتج وهماً بالقوة.
عندما يُحاصر الإنسان بالمعلومة الواحدة، ويُغذى يومياً بخطاب التحدي والمواجهة والانتصار، يصبح العالم في وعيه كتلة واحدة من الأعداء.
أمريكا عدو، وإسرائيل عدو، ودول الخليج عدو، وكل من ينتقد الجماعة متآمر أو خائن.
وفي المقابل، تقدم الجماعة نفسها باعتبارها القوة التي تقف وحدها في وجه العالم.
هكذا يتحول الصراع من قضية سياسية قابلة للنقاش إلى عقيدة نفسية.
تصبح الخسارة «انتصاراً مؤجلاً»، والتراجع «تكتيكاً»، والأزمة «ثمناً للكرامة»، والفشل «مؤامرة خارجية».
وتتضخم الذات الجماعية.
لا يعود السؤال: ماذا أنجزنا؟ بل: كيف نواجه العالم كله؟
وهنا تصبح القوة المتخيلة بديلاً عن القوة الواقعية، ويصبح الانتساب إلى الجماعة مصدراً لقيمة الفرد وشعوره بالتفوق.
وهذه هي الخطورة؛ لأن الإنسان الذي يرى نفسه جزءاً من قوة استثنائية يصبح أكثر استعداداً لرؤية المختلف باعتباره أقل قيمة، وأكثر استعداداً لاستسهال إيذائه.
ومن هنا يصبح خطاب الكراهية مقدمة لتبرير القمع والعنف والاعتقال.
أخطر ما فعله العزل الحوثي ليس أنه منع الناس من رؤية العالم، بل أنه حاول إعادة صناعة العالم داخل رؤوسهم.
وهذه معركة لا تنتهي بسقوط سلطة السلاح. فحتى عندما تتغير موازين القوة، يبقى أثر السنوات التي عاشها الناس داخل الخوف والدعاية والعزلة.
لذلك فإن استعادة اليمن لا تعني فقط استعادة الدولة ومؤسساتها، بل تعني أيضاً استعادة الإنسان: حقه في السفر، والمعرفة، والإعلام الحر، واللقاء، والاختلاف، وأن يسمع صوتاً آخر دون خوف.
نحتاج إلى إعادة فتح النوافذ المغلقة؛ أن يرى اليمني العالم كما هو، لا كما تريد له جماعة مسلحة أن يراه، وأن يتعلم من جديد أن الاختلاف ليس خيانة، وأن النقد ليس مؤامرة، وأن الآخر ليس عدواً لمجرد أنه مختلف.
فالحرية ليست فقط أن تفتح باب السجن.
الحرية أن تفتح النوافذ التي أُغلقت في العقل.
فالزنزانة الأخطر ليست تلك التي لها أربعة جدران وحارس على الباب، بل تلك التي لا يشعر الإنسان بوجودها، لأنه أصبح يعتقد أن العالم كله هو ما يراه من داخلها.
وهذا هو أخطر ما يمكن أن تفعله جماعة مسلحة بمجتمع: أن تحول الجغرافيا إلى زنزانة، ثم تقنع سكان الزنزانة بأنهم يعيشون في قلعة وتفوق.
عن"مقال الأهرام"