> عبدالله محمد الجفري :

شاهدنا استقبال الرئيس ترامب لنظيره الصيني شي جين عند وصوله إلى قاعدة أندروز ،لم يكن مشهدًا بروتوكوليا تقليديًا،فترامب عادة ما يحب كسر البروتوكولات في الكثير من تصرفاته،هذه الزيارة ليست عادية فهي تحمل رسائل واضحة لطبيعة العلاقة بين واشنطن وبكين،فهذه العلاقة حولها ترامب بعقليّته التجارية إلى علاقة تنافسية كسرًا للنظرة العدائية السائدة بين البلدين على مر العقود.

‏من المتوقع أن تركز المباحثات في هذه الزيارة على إدارة الخلاف بينهما،فالولايات المتحدة والصين ليستا مجرد قوتين اقتصاديتين متنافستين،فهما قطبان عالميان في الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا وسلاسل الامداد والطاقة،سيحرص اللقاء على تجاوز كلفة الصدام بينهما،وتحويلها إلى منافسة تحت السيطرة.

‏ملفات الزيارة تتسم بالأهمية والثقل الاستراتيجي،وفي مقدمتها (الرسوم التجارية - المعادن النادرة - التكنولوجيا - الذكاء الاصطناعي - تايوان)،ولا شك بانهما سيتطرقان لمناقشة قضايا الأمن الدولي والشرق الأوسط،وكان هناك تمهيد سبق الزيارة للهدنة التجارية بين البلدين وتمديدها.

‏الأحداث المشتعلة في الشرق الأوسط سيعطيها اللقاء أهمية وبعدًا اكبر،فالحرب المشتعلة بين ايران والولايات المتحدة واسرائيل في الأونة الأخيرة،من تداعياتها العالمية أن أحدثت اضطرابًا للملاحة الدولية في مضيق هرمز،وأثرت بشكل كبير على أسواق النفط والطاقة،والتجارة الدولية،وكما هو معلوم أن الصين من أكبر المستوردين للطاقة،فمن وجهة نظر الصين أن استمرار التوتر سينعكس على التجارة الدولية والأسواق وسلاسل الامداد في العالم،وسيؤثر بشكل مباشر على عجلتها الإنتاجية الضخمة.

‏الصين قبل الزيارة كانت لها تحركات دبلوماسية،فقد دعت بكين الولايات المتحدة وايران إلى ضبط النفس والعودة إلى التفاوض،كما طالبت الصين بضرورة اعادة فتح مضيق هرمز ،محذرة من امتداد التوتر إلى باب المندب والبحر الأحمر.

‏تدرك الصين أن لدى الولايات المتحدة أدوات الضغط والنفوذ الأمني في الشرق الأوسط،بالمقابل بكين تملك قنوات وعلاقات اقتصادية وسياسية مع أطراف في المنطقة لا تملكها واشنطن،ومنها علاقات الصين مع ايران وبعض الدول،لذلك يرى الخبراء أمام هذه المعطيات يمكن أن يسهم هذا اللقاء التاريخي في تهدئة بعض الملفات الساخنة والخطيرة.

‏لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة والصين كقوتين تنافسيتين على النفوذ والتكنولوجيا والاقتصاد والنظام الدولي،أن تنهيان خلافاتهما نهائيا،فالمتوقع هو إدارة الأزمات وتخفيف مخاطر التصعيد،ولكن مجرد جلوس ترامب وشي إلى طاولة مباحثات واحدة في هذه اللحظة الدولية الحرجة له أهميته في خفض التوترات.

‏حقيقة العالم يحتاج اليوم إلى أن تتفق بكين وواشنطن على أن لا تتحول خلافاتهما إلى وقود لاشعال الأزمات القائمة،واشعال أخرى،بل المساعدة في إطفاء الحرائق القائمة التي تهدد استقرار الشرق الأوسط كمصدر مهم للطاقة في العالم،وسوق تجارية للدولتين.

‏يتعشم العالم إلى الوصول إلى تفاهمات بين الدولتين،تسهم في زيادة مساحة الأمل في تمديد الهدنة إلى ملفات أخرى مهددة للاستقرار،ومقوضة للاقتصاد العالمي،وأمن الطاقة والملاحة الدولية،ويأمل العالم إلى ان يكون اللقاء بداية لمرحلة جديدة لإدارة أزمات خطيرة،بحكمة وتعقل تسهم الصين في كبح جماح التهور الأمريكي.  
‏