أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:26 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • صرخة سعد العمري.. هل بدأت الرياض إعادة حساباتها في ملف «الشرعية»؟

    علي محمد سيقلي




    لم تكن صرخة سعد العمري، بما حملته من عبارات قاسية تجاه قيادات وشخصيات محسوبة على «الشرعية»، مجرد كلام عابر في مساحة أو سجال عابر على وسائل التواصل.

    فالرجل، في نظر المتابعين، لم يكن يتحدث من موقع مواطن يمني غاضب، بل من داخل المشهد السعودي نفسه؛ ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا قال سعد العمري؟ بل: ماذا تعني هذه اللهجة؟

    وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

    فالخطاب الذي ظهر أخيرًا، بما تضمنه من انتقادات حادة للقيادات والنخب الشمالية الموجودة في السعودية، يعيد إلى الواجهة ملفًا ظل طويلًا محاطًا بالصمت: كم كلفت «الشرعية» السعودية؟ وإلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع؟

    لقد أصبحت صورة «الشرعية» في نظر قطاعات من الشارع السعودي مرتبطة، بصورة متزايدة، بملف مالي وأمني وسياسي ثقيل؛ قيادات تقيم خارج الأرض التي يفترض أن تمثلها، وموارد تُنفق، ومسؤوليات تتراكم، فيما الحرب نفسها لم تُنتج الدولة التي قيل إن كل هذا الدعم كان من أجلها.

    والسؤال الأكثر مرارة:

    إذا كانت هذه القيادات لا تستطيع أن تكون فاعلة على الأرض، فلماذا تبقى خارجها؟

    المسألة هنا ليست في سعد العمري وحده، ولا في الألفاظ التي استخدمها، ولا في حجم الغضب الذي ظهر في حديثه. المسألة في التوقيت.

    فحين تتزامن هذه اللهجة مع حالة إنهاك سياسي واقتصادي وأمني من الملف اليمني، يصبح من المشروع قراءة الأمر باعتباره مؤشرًا على اتساع مساحة التململ من استمرار الوضع القائم، حتى وإن لم يكن بالإمكان الجزم بأن ما قيل يمثل موقفًا رسميًا للدولة السعودية.

    السعودية، ببساطة، ليست جمعية خيرية مفتوحة إلى ما لا نهاية.

    وإذا كانت قد تحملت خلال سنوات طويلة كلفة سياسية وأمنية ومالية ضخمة بسبب الحرب اليمنية، فإن استمرار المشهد بالصورة نفسها يضع سؤالًا صعبًا أمامها:

    ما العائد السياسي من كل هذا الإنفاق، إذا كانت المعادلة على الأرض لا تزال تنتج مزيدًا من الانقسام والتراجع؟

    الأكثر إثارة أن الخطاب لم يعد يتحدث عن أخطاء «الشرعية» فقط، بل عن عبء وجودها نفسه.

    وهنا يصبح الأمر أخطر.

    لأن الانتقال من انتقاد الأداء إلى التشكيك في جدوى استمرار منظومة كاملة يعني أن السؤال لم يعد: كيف نصلح الشرعية؟ بل:

    هل ما زالت هذه الصيغة قابلة للاستمرار أصلًا؟

    ثم يأتي السؤال الذي لا يريد كثيرون الاقتراب منه:

    من يمثل سعد العمري؟

    ليس المقصود بالضرورة البحث عن جهة تقف خلفه، ولا اختراع سيناريوهات لا دليل عليها، وإنما قراءة موقع الرجل في البيئة التي خرج منها خطابه، ومراقبة ما إذا كانت هذه النبرة ستبقى حالة فردية، أم ستتحول إلى خطاب أوسع داخل المجتمع والإعلام السعودي.

    فإذا كانت مجرد صرخة فرد، فسوف تبقى صرخة.

    أما إذا تكررت من أصوات أخرى، وبالحدة نفسها، وبالمضمون نفسه، فسنكون أمام ظاهرة تستحق التوقف عندها طويلًا.

    والأخطر من ذلك أن الحملات الموجهة ضد قيادات ونخب شمالية لم تعد مجرد سجال يمني داخلي؛ إذ بدأت تلامس، بصورة مباشرة، العلاقة بين تلك النخب والدولة التي استضافتها وموّلتها واحتضنتها طوال سنوات.

    وهنا لا أحد يستطيع أن يرسم بدقة إلى أين يمكن أن تذهب هذه الموجة.

    لكن الرسالة التي يمكن قراءتها من بين السطور تبدو واضحة:

    هناك من يقول: يكفي إلى هنا.

    يكفي إنفاقًا بلا نتيجة.

    يكفي إقامة سياسية طويلة خارج الأرض.

    يكفي بيانات ولقاءات ومؤتمرات لا تغير شيئًا في ميزان القوة.

    ويكفي تحميل السعودية تبعات ملف يمني لم يعد من الممكن إدارته بالطريقة ذاتها التي أُدير بها خلال السنوات الماضية.

    وإذا كان بعض قادة «الشرعية» قد اعتادوا النظر إلى السعودية باعتبارها المظلة التي لا يمكن أن تنحني، فإن المتغير الحقيقي هو أن المظلات نفسها قد تضطر، في لحظة ما، إلى إعادة حساب المسافة التي تقف تحتها.

    السؤال إذن ليس عن سعد العمري وحده.

    السؤال عن الشرعية التي استهلكت سنوات من الدعم، ولم تستطع أن تحول ذلك الدعم إلى حضور حقيقي على الأرض.

    والسؤال عن قيادات أصبحت إقامتها خارج اليمن جزءًا من المشهد، بينما يتغير الواقع داخل اليمن من حولها.

    والسؤال عن السعودية التي قد تكون بصدد إعادة تعريف علاقتها بالملف اليمني، بما يتناسب مع مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية.

    وفي السياسة، ليست كل الرسائل تُكتب في البيانات الرسمية، ولا كل الإشارات تمر عبر المنابر المعلنة.

    هناك دائمًا صالونات خاصة، ومساحات مغلقة، وأصوات قريبة من دوائر القرار، تُمرَّر عبرها أحيانًا إشارات حمراء لمن يهمه الأمر.

    وحين تخرج تلك الإشارات إلى العلن، لا تكون مهمة الإعلام أن يتلقاها كبيانات رسمية، ولا أن يتجاهلها باعتبارها مجرد صخب عابر؛ بل أن يضعها تحت المجهر، ويفكك توقيتها ومضمونها وسياقها، ويطرح الأسئلة التي قد لا تُطرح في الغرف المغلقة.

    فما قاله سعد العمري قد يكون مجرد موقف شخصي، وقد يكون انعكاسًا لحالة أوسع. وبين الاحتمالين مساحة واسعة لا يملؤها التكهّن، وإنما تملؤها المتابعة.

    وفي النهاية، تبقى الكرة في ملعب من يعنيهم الأمر:

    هل كانت تلك صرخة فردية، أم إشارة حمراء خرجت من صالون مغلق إلى فضاء مفتوح؟

    هنا تبدأ مهمة الإعلام...

    وهنا تحديدًا يبدأ نبش الملف المسكوت عنه.

المزيد من مقالات (علي محمد سيقلي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال