الخميس, 24 سبتمبر 2026
1,425
في السادس والعشرين من سبتمبر 1962، لم يتغيّر في اليمن اسمُ نظامٍ فحسب، أُعلنت الجمهورية العربية اليمنية، وبدأ فصلٌ جديد حمل معه تطلعات إلى الحرية والمساواة والكرامة، وإن دخل اليمن بعد ذلك سنواتٍ قاسية من الصراع.
لكنني كلما مرّ 26 سبتمبر، أسأل نفسي سؤالًا بعيدًا عن السياسة: ماذا لو قرأنا الثورة من داخل البيت؟
فالأوطان لا تستيقظ في ليلة واحدة، ولا تكفيها الشعارات كي تتغير. الوطن يبدأ صباحًا في بيتٍ صغير؛ حين لا يُهان طفل لأنه أخطأ، ولا تُختصر قيمة فتاة لأنها فتاة، ولا يصبح الأب حاكمًا لمجرد أنه الأب، ولا تتحول الأم إلى آخر من يُسمع صوتها لأنها اعتادت أن تضحي بصمت.
هناك تبدأ أجمل معاني التحرر: أن نحرر الإنسان من الخوف، والعقل من التعصب، والقلب من الكراهية.
فالأسرة هي أول مدرسة يتعلم فيها الطفل معنى السلطة ومعنى العدالة. إذا رأى الكبير يسمع للصغير، والقوي يرحم الضعيف، والمختلف يُحترم ولا يُقصى، خرج إلى الحارة وهو يحمل بذرة مجتمع متماسك. أما إذا تعلم أن من يرفع صوته ينتصر، وأن المختلف خصم، وأن القوة تعني إخضاع الآخر، فلا ينبغي أن نستغرب حين تكبر معه هذه الأفكار وتجلس يومًا في مقاعد المجتمع.
ومن روح الإيمان بوحدة الجنس البشري، أرى أن أعظم ثورة يمكن أن نهديها لليمن اليوم هي ثورة التعايش؛ إنها أعظم ثورة في طريقة تعاملنا بعضنا مع بعض؛ أن ننتقل من سؤال: من أنت؟ إلى سؤال: ماذا نستطيع أن نبني معًا؟ ومن العصبية إلى المواطنة، ومن الانتقام إلى المصالحة، ومن توريث الخصومة إلى تعليم أبنائنا فن الاختلاف دون عداوة.
لسنا بحاجة إلى أن يتشابه اليمنيون حتى يتماسكوا. فالبيت نفسه لا يقوم على أشخاص متطابقين؛ لكل فرد طبعه وصوته ودوره، ومع ذلك تجمعهم مائدة واحدة. وكذلك الوطن: قوته ليست في لون واحد، ولا منطقة واحدة، ولا فكرة واحدة، بل في أن تتحول اختلافاته إلى نسيج، لا إلى شقوق.
لهذا، ربما يكون أجمل احتفاء بسبتمبر ألا نكتفي بإضاءة السماء، بل أن نضيء شيئًا في داخلنا. أن يصالح أخٌ أخاه، وأن يسمع أبٌ ابنته، وأن تتوقف أمّ عن تعليم طفلها كراهية شخص لم يلتقِ به قط، وأن يتعلم الطفل اليمني أن ابن القرية الأخرى، والمنطقة الأخرى، والفكرة الأخرى، ليس غريبًا عنه، بل شريكٌ في بيت أكبر اسمه اليمن.
لقد أُعلنت الجمهورية في 26 سبتمبر 1962، ولكن بناء المجتمع الذي يصون كرامة كل إنسان فليس حدثًا ينتهي في تاريخ محدد؛ إنه عمل أجيال. فالثورات الكبرى قد تبدأ من الميادين، لكن بقاء قيمها يبدأ من مائدة العشاء. وحين يتعلم الطفل في بيته أن كرامة الآخر من كرامته، يكون الوطن قد خطا أهدأ ثوراته… وأعمقها.
وربما يكون هذا هو سبتمبر الذي يحتاج إلى أن يتجدد كل عام، لا ثورة إنسانٍ على إنسان، بل ثورة الإنسان على كل ما يمنعه من أن يرى في الآخر أخًا له في الإنسانية.
ودمتم بألف خير 🌹