> القاهرة «الأيام» خاص:
حضر الرئيس علي ناصر محمد، اليوم الاثنين، ندوة نظمتها مؤسسة الدكتور جمال شيحة للتعليم والثقافة والتنمية المستدامة، بمقر نقابة الصحفيين في القاهرة، تحت عنوان «رؤية الشباب المصري لثورة 23 يوليو 1952 وإنجازات الزعيم جمال عبدالناصر»، والتي تناولت الثورة وأبرز إنجازاتها، ورؤية الشباب المصري لتجربتها التاريخية. وفيما يلي نص البيان:"يسعدني أن أشارك معكم اليوم في هذه الندوة التي تتناول ملامح مشروع الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر وأهم إنجازاته، وهو المشروع الذي شكّل مرحلة تاريخية مهمة في حياة مصر والأمة العربية وأفريقيا، وترك بصماته العميقة في مسيرة التحرر الوطني والاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية.
إن الحديث عن جمال عبد الناصر ليس مجرد استعادة لذكرى زعيم رحل عن عالمنا قبل ستة وخمسين عاماً، وإنما هو استحضار لمرحلة تاريخية حملت آمال الشعوب العربية وتطلعاتها إلى الحرية والكرامة والوحدة والتقدم.
لقد جاء عبد الناصر في مرحلة كانت فيها معظم البلدان العربية والأفريقية تعاني من الاستعمار والتبعية والتخلف، فرفع راية التحرر الوطني، وأعاد لمصر دورها القيادي ومكانتها العربية والأفريقية والدولية.
لقد كان مشروع جمال عبد الناصر مشروعاً وطنياً وقومياً وإنسانياً، ارتكز على الاستقلال والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتنمية والوحدة العربية، وعلى حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الهيمنة الأجنبية.
وعلى المستوى المصري، حققت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 إنجازات تاريخية، في مقدمتها إنهاء الحكم الملكي وإعلان الجمهورية، وتحقيق الجلاء البريطاني، وتأميم قناة السويس عام 1956، ذلك القرار التاريخي الذي أعاد لمصر سيادتها على أهم ممر مائي في العالم.
كما شهدت مصر في عهده بناء السد العالي، وإقامة المشروعات الصناعية الكبرى، والإصلاح الزراعي، والتوسع في التعليم المجاني والخدمات الصحية المجانيه، وتمكين الفلاحين والعمال، وإتاحة فرص أوسع لأبناء الطبقات الفقيرة في التعليم والعمل والمشاركة في بناء الوطن.
ولم تكن هذه الإنجازات مجرد مشروعات اقتصادية واجتماعية، بل كانت تعبيراً عن رؤية تؤمن بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل من دون استقلال اقتصادي وعدالة اجتماعية.
وعلى المستوى العربي، كان عبد الناصر أحد أبرز رموز المشروع القومي العربي، وآمن بأن قوة العرب تكمن في تضامنهم ووحدتهم واستقلال قرارهم.
وقد تجسد هذا التوجه في قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958، وفي دعمه لحركات التحرر العربية، وفي مقدمتها الثورة الجزائرية، والثورتان اليمنيتان، إلى جانب موقفه الثابت من القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية.
أما على المستوى الأفريقي، فقد وقفت مصر في عهده إلى جانب حركات التحرر الوطني، وأسهمت في دعم استقلال العديد من الدول الأفريقية، وفي تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963.
وهكذا تجاوز تأثير المشروع الناصري حدود مصر والوطن العربي، ليصبح مصدر إلهام لشعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
اسمحوا لي أن أتوقف عند العلاقة التاريخية بين جمال عبد الناصر واليمن، وهي علاقة لا يمكن أن ننساها أو نتجاهلها.
لقد كان لمصر بقيادة عبد الناصر دور تاريخي في مساندة ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962 في شمال اليمن، وفي دعم ثورة الرابع عشر من أكتوبر عام 1963 في جنوبه، التي انطلقت من جبال ردفان، وتُوّجت بالاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر عام 1967.
ونحن أبناء تلك المرحلة نعرف جيداً حجم الدعم السياسي والعسكري والإعلامي الذي قدمته مصر للثورة اليمنية، وما تحمله الشعب المصري من تضحيات في سبيل انتصارها.
وكان ذلك الدعم تعبيراً عن إيمان عبد الناصر بأن حرية اليمن جزء من حرية الأمة العربية، وأن استقلال الشعوب العربية مسؤولية قومية مشتركة.
ولهذا ستظل مصر حاضرة في وجدان الشعب اليمني، وستظل تلك المرحلة صفحة مضيئة في تاريخ العلاقات الأخوية بين الشعبين.
لقد تعرض المشروع الناصري لتحديات وانتكاسات كبيرة، وفي مقدمتها نكسة يونيو عام 1967، كما كانت للتجربة أخطاؤها وسلبياتها التي ينبغي دراستها بموضوعية.
لكن قيمة التجارب التاريخية لا تُقاس بإنجازاتها وحدها، وإنما أيضاً بالدروس التي تتركها للأجيال اللاحقة.
واليوم، ونحن نستعيد مشروع عبد الناصر، لا ندعو إلى العودة إلى الماضي أو استنساخ تجاربه، بل إلى الاستفادة من دروسه في بناء مشروع عربي جديد يستجيب لمتغيرات العصر، ويقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية والتكامل العربي واحترام سيادة الدول.
إن عالمنا العربي يمر اليوم بمرحلة بالغة الخطورة، في ظل ما تعرضت له فلسطين، وخاصة غزة، من قتل ودمار ومعاناة إنسانية، وما شهدته وتشهده المنطقة من حروب وصراعات في اليمن والصومال والسودان وليبا والعراق وسوريا ولبنان من تدخلات خارجية تهدد أمنها واستقرارها ومستقبل شعوبها.
ولقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تصنع سلاماً دائماً، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع أن تحل محل الحوار والتفاهم والحلول السياسية العادلة.
ونؤمن بأن السلام ليس ضعفاً أو استسلاماً، وإنما هو شجاعة ومسؤولية تاريخية، وأن مستقبل أمتنا يجب أن يُبنى بالعلم والتنمية والتعاون، لا بالحروب والدمار.
إن اليمن الذي كان حاضراً بقوة في مشروع عبد الناصر القومي، يعيش اليوم واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، بعد سنوات طويلة من الحرب التي دخلت عامها الثانى عشر.
وقد دفع الشعب اليمني ثمناً باهظاً لهذه الحرب، من دماء أبنائه، ودمار مؤسساته، وتدهور أوضاعه الاقتصادية والمعيشية، وتراجع الخدمات الأساسية.
ولذلك فإننا نؤكد مجدداً أن الحل في اليمن لا يمكن أن يكون عسكرياً، وإنما يبدأ بوقف الحرب أولاً، ثم عقد مؤتمر يمني يمني شامل، لا يستثني أحداً، تشارك فيه جميع القوى والمكونات السياسية والوطنية، من أجل التوافق على مستقبل اليمن واستعادة دولته برئيس واحد وحكومه واحده وجيش واحد وبرلمان واحد وبنك مركزي واحد.
إننا نريد لليمن أن يستعيد دوره الطبيعي في محيطه العربي والإقليمي، وأن يكون عامل أمن واستقرار في المنطقة، لا ساحة للصراعات والحروب.
فاليمن بموقعه الاستراتيجي المطل على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، يمثل أهمية كبرى للأمن القومي العربي ولأمن الملاحة والتجارة الدولية.
ومن هنا فإن استقرار اليمن ليس مصلحة يمنية فحسب، بل مصلحة عربية وإقليمية ودولية.
ولقد قلت مراراً، وأكرر اليوم، إن المنتصر في هذه الحرب مهزوم، وإن السلام وحده هو الانتصار الحقيقي للشعب اليمني ولجميع شعوب المنطقة.
إن الوفاء الحقيقي لجمال عبد الناصر لا يكون بمجرد الاحتفاء بذكراه أو ترديد شعاراته، وإنما بالعمل على استعادة روح المشروع الذي حمله، وفي مقدمته الاستقلال الوطني، والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والتضامن العربي.
ونحن بحاجة اليوم إلى مشروع عربي نهضوي جديد، يمنح الشباب الأمل، ويعيد الاعتبار للعلم والمعرفة والتنمية، ويضع مصلحة الإنسان العربي فوق كل اعتبار.
لقد كان عبد الناصر زعيماً ارتبط اسمه بمرحلة من النهوض والأمل، وبطموح أمة أرادت أن تصنع مستقبلها بإرادتها الحرة.
وإذا كانت الأجيال السابقة قد خاضت معارك التحرر من الاستعمار، فإن مسؤولية أجيالنا اليوم هي خوض معارك التحرر من الفقر والجهل والتخلف والانقسام، وبناء دولة القانون والمؤسسات، وتحقيق السلام والتنمية.
وفي الختام، أتوجه بالشكر والتقدير إلى القائمين على هذه الندوة، وإلى جميع المشاركين فيها، متمنياً أن تسهم مناقشاتنا في تقديم قراءة موضوعية لتجربة جمال عبد الناصر، تستلهم إنجازاتها وتتعلم من دروسها، وتفتح آفاقاً جديدة لمستقبل عربي أفضل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".














