أتعجب لحال هذا الرجل؛ القابض على روحه في راحة كفه، والنافض رماد معاركه من أجل الوطن، والوطن دائمًا في عقله وقلبه، ليدخل في أتون معارك أخرى؛ وكأنه طائر الفينيق الناهض من النار في حكايات التاريخ الأسطورية ليرعب الأعداء.

وأجزم أن محمود أحمد سالم لو كان قد شبَّ فتى إبان الثورة في ستينيات القرن الماضي، لكان أبرز الفدائيين الثوار من أجل الوطن والاستقلال. ولربما كان في عداد الشهداء؛ لأن معايير الإقدام والشجاعة عنده لا تحد ولا ترد، وكأنه رضع هذا الإقدام وتلك الشجاعة من لبن أمه رضيعًا.

وكان لمؤسسة الجنوب العسكرية دور في ترويض هذا الشبل ليغدو أسدًا في المعارك الوطنية الكبرى، وتحديدًا حرب التصدي لعدوان صنعاء على بلادنا في صيف الغدر عام 1994م.

فمن بين الانكسارات والخِيانات، كان بإمكان الصبيحي أن يزلزل الأرض من تحت أقدام الغزاة في جبهات الصبيحة: رأس العارة وخرز وهويرب، وحتى بئر أحمد والوهط.

كنا نتلقى أخبار هذا البطل في موسكو في ذلك الصيف المرعب بشيء من الفخر والكبرياء، رغم الهزيمة والاحتلال. ولربما يتذكر معي ذلك من غدوا دكاترة اليوم: أخي د. أنور عبده علي الصبيحي، وهو مقيم في موسكو، وأخي د. عبد الحميد علي بن علي شكري، وهو أشهر من كانوا في طليعة الحراك الجنوبي في عدن بعد ذلك، وأخي د. محمد صالح الضالعي، عميد كلية الحقوق، وعلى رأسنا جميعًا القائد العسكري المناضل علي هادي، قائد الدفاع الجوي في جيش الجنوب، ثم نائبًا للملحق العسكري في موسكو. وليعذرني من غابت عني أسماؤهم الآن.

وكم كانت سعادتي غامرة عندما حظيت قصيدة لي بالصفحة الأخيرة كاملة من صحيفة (بريد الجنوب)، الصادرة في باريس، والتي رأس تحريرها العراقي التقدمي بشير البكري، والذي عاش في ظهرانينا هنا في عدن ردحًا من الزمن. وكانت الصحيفة قريبة من الرئيس علي سالم البيض، وعلى درجة رائعة من الإخراج والعمل الصحفي الراقي، وتصدر مناصفة باللغتين العربية والإنجليزية. أما القصيدة، فقد استوحيت معانيها من بطولات محمود أحمد سالم كما كانت تصل إليَّ، إلى جانب البطل أحمد سالم عبيد — أطال الله في عمره.

وها هو البطل الصبيحي يخوض معاركه الوطنية بنفس الإرادة العالية والبسالة المتناهية في الجبهات المختلفة، ذودًا ودفاعًا عن الأرض والعِرض والدين.

ثم يأتي مفسبك حاقد وحقير ليشكك في نزاهة هذا البطل، كمثل حاطب في الليل. وهذا لن يضير هذا الأسد في شيء؛ فنباح الكلاب تعبير عن خوفها وجزعها وهلَعها من زئير الأسد.

بوركت أيها الصبيحي، وبورك كل أبناء الصبيحة الأبطال، ولا نامت أعين الجبناء.