الزراعة والري في اتحاد الجنوب العربي

«الأيام» نجمي عبدالمجيد:

في دراسة قدمها تي.كي بيتمان من إدارة الزراعة والري في اتحاد الجنوب العربي نشرت في العدد 11 من مجلة «عدن» عام 1966م الصادرة عن شركة BP يقول: «قال تعالى في كتابه العزيز: ?{?وجعلنا من الماء كل شيء حي?}?، فلا حياة بدون ماء وهذا مطابق بصفة خاصة لجنوب الجزيرة العربية، حيث مرت عليها سنوات المجاعة والقحط وهي ليست ببعيدة حتى نستطيع ان نسدل عليها ستار النسيان، فالقحط المزمن حقيقة خطيرة ممكن قبولها كطريقة للحياة في هذه الحياة في هذه البقعة من العالم.

ومعيشة وبقاء المزارع الجنوبي في منطقة جنوب الجزيرة العربية التي تعتمد على رخائه ورفاهيته قوة الاقتصاد الزراعي يرتكزان على مقدرته لضبط وحفظ التموينات الحيوية من مياه الري، والأرض المزروعة بمياه الري نادرة الوجود في هذه الأرض الجرداء الجبلية، ولكن الماء لا الأرض تبقى العامل المحدد لتخطيط التطوير الزراعي.. ومن مجموع مساحة 113000 ميل مربع من الأرض ليست هناك اكثر من نسبة واحد في المئة أي ما يعادل 700000 فدان أرض مزروعة أو صالحة للزراعة ومعظمها تقع في الاودية الكبيرة ومناطق الدلتا حيث تتجمع عادة طبقات من الطين الخصب الصالح للزراعة.. وهذه تسحبها الفيضانات أو مياه الأمطار إلى هذه الاودية فتترسب ثم تتجمع وتتحول بعد ذلك إلى طبقات طينية صالحة جدا للزراعة الممتازة. والكماشات أو المقابض التي تحبس الماء وتمنعه من الانسياب هي صخرية ومنحدرة والأمطار التي تهطل سنويا وتتراوح بين 600-150 مليمتر، غالباً ما تكون فصلية وهذه الأمطار الفصلية تنتج فيضانات غزيرة قصيرة الامد، ومياه هذه الفيضانات المنسابة تكون المصدر الرئيس لمياه الري، وليست هناك أمطار مباشرة على الأراضي المزروعة وهناك حاجة مستمرة لاراض تزرع بواسطة الري وفي هذه الأراضي تستطيع عائلة مزارعة مثلا ان تزرع عليها متطلباتها من الطعام والغذاء والحبوب الرئيسية، فالقطن هو الانتاج الزراعي الرئيس، وأصبح المصدر الاول الذي تصدره عدن إلى الخارج.

وفي هذه المنطقة الصحراوية يكون الماء هو المادة الحيوية الضرورية في اي تطوير يهدف إلى تحسين مستويات المعيشة. فطرق الري التقليدية المعتمدة على مياه الفيضانات هي طرق بدائية ولكنها على كل حال تؤتي نتائج مثمرة وفي الحالات الجغرافية والاقتصادية هناك حاجة متزايدة لتوفير تسهيلات حسنة للري.. وفي الوقت الحاضر فالمزارعون الاهليون يحولون مياه الفيضانات إلى مزراعهم ببناء سدود أرضية ومحولات عبر الاودية ولكنه في حالة الفيضانات العالية التي تنساب فيها المياه انسياب سرعة مياه الشلالات فإن هذه السدود والمحولات وما شابه ذلك تجرف وتحطم من قبل هذه المياه قبل ان تصل المياه إلى الأراضي المزروعة، وفي بعض الاحايين لا يمكن بناؤها من جديد قبل حدوث الفيضانات.

وهناك آبار عديدة مفتوحة، ولكن هنا يجب ان نتذكر ان السكان الاهليين مقيدون بعدم وجود الوسائل الحديثة للتوغل في الطبقات الصخرية التي تقبع تحتها في الواقع المياه الغزيرة وحيث لا توجد صخور فإنه لا يمكن ان تحفر الآبار بالأيدي للتوغل في المسافة المطلوبة في حالة الوصول إلى طبقة الماء. والآبار القنواتية مازالت جديدة في المنطقة مع ان أخبار نجاح مشروع الري بواسطة هذه الآبار القنواتية، الذي قام به افراد عاديون في ابين بدأت تنتشر، وأهمية هذه الآبار كعوامل للري المؤكد أو الدائم الذي لا ينقطع طوال السنة بدأت تجد التجاوب التام لدى افراد الشعب.

وفي عام 1953م تأسس فرع للري في إدارة الزراعة والري وكانت مسؤولية هذا الفرع هي البحث في الامكانيات الخاصة بمشروع الري في المنطقة وتأسيس برنامج يتضمن مسحاً مائياً تاماً.

وفي السنوات الثلاث الاولى حدثت بعض الصعوبات في الحصول على مهندسين للري ذوي خبرة واسعة في هذا المضمار ومن عام 1957م إلى عام 1961م قامت بأعمال الري منظمة التغذية والزراعة التابعة لهيئة الأمم المتحدة التي أرسلت بعثة إلى عدن تتعلق أعمالها بالبرنامج التطويري للمساعدات الفنية. وجلب المهندسون للري لملء الوظائف الشاغرة في فرع الري في إدارة الزراعة هنا في عام 1961م وتأسس هذا الفرع على اساس جديد في ذلك العام.

ويعتمد اتحاد جنوب الجزيرة العربية كليا على الاعانات الخاصة من المملكة المتحدة لتمويل البرامج التطويرية وبهذه الإعانات تبذل قصارى الجهود لإحلال الأشغال التابعة المبنية على أسس هندسية مقبولة محل السدود التقليدية القديمة في الأودية وإمكانية تطوير مصادر المياه الأرضية في البلاد واستعمال نظام الآبار القنواتية لتوفير تموينات من الماء ثابتة الأمد.. غزيرة الكمية.. طيبة النوع.. كريمة الإنتاج.. كان يجد الاهتمام العميق خلال الاعوام القليلة الماضية.. ووضع حجر الأساس لمشروع توسيع الآبار القنواتية للري، وفي عام 1961م قدم إلى عدن خبير في المياه الجوفية مبعوثا من قبل هيئة الأمم المتحدة وهو الدكتور دونالد جير.. وقد أعد هذا الخبير تقريرا مفصلا عن مصادر المياه الجوفية، وتبع هذا في عام 1963م زيارة الخبير في تنقيب وحفر الأرض للمياه، وأيضاً كان مبعوثا من قبل هيئة الأمم المتحدة واسمه المستر فرانس باريس.

والبلاد غنية في تموينات المياه الأرضية لا سيما في مناطق الدلتا في الأودية الكبيرة.. والمثل الحي لهذا كان بئر ناصر في دلتا وادي تبن حيث توفر مصادر المياه الأرضية التموينات المائية لعدن.

وإحدى المخاطر في المياه الأرضية التي تسلبها الآبار القنواتية في الكميات المطلوبة للري هي في زيادة الاستغلال في أرض مثل ابين هي في الواقع متطورة تطويراً زراعياً وتحتفظ الآن السجلات بملوحة مستويات المياه وأرقام هبوط المياه وما شابه ذلك في مناطق آبار مختارة حتى يمكن حينئذ من معرفة مراكز الخطر في اسرع وقت ممكن فإن هذا يقدم الإنذار اللازم لإصلاح الخلل أو لتحاشي الخطر اذا كان ذلك ضرورياً. وعلى كل حال فإن أبين خارجة من هذا فيجب حفر آبار قنواتية كثيرة اخرى قبل استغلال المياه المحفوظة الغنية الغزيرة.

واقتصاديات زراعة الآبار القنواتية تدرس الآن عن كثب.. وأرقام التثمين الاقتصادي تجلب من مشروع بئر قنواتية صغيرة مساحته 48 فدانا في ميفعة في سلطنة الواحدي، وقد نجحت المشاريع في الأودية وغيرها وذلك بحفظ بعض الأراضي الزراعية من الدمار والتآكل نتيجة لمياه الفيضانات التي تنساب على الاودية.

والمشاريع التطويرية الرئيسية الكبرى للري التالية كانت تسير على قدم وساق في عام 1965م:

مشروع الري في أسفل بيحان

يبنى سد لتحويل الماء تقدر تكاليفه بسبعة وستين ألف جنيه استرليني، وذلك في وادي بيحان فوق النقوب مع ضابطات قنواتية لضبط مياه الفيضانات التي في القنوات اليمينية والشمالية، وهذه القنوات ستوزع مياه الفيضانات للأراضي الزراعية في ادنى التيار لمرور الماء من النقوب وسيسمح بامتداد الأرض المزروعة. وببناء هذا السد لتحويل المياه وكذا الأشغال الرئيسية لنظام الري فإنه سيصبح من الممكن تقديم العون الإضافي الوافي لضبط مياه الفيضانات وتحويلها إلى أرض زراعية مساحتها 16000 فدان. والتطوير الاولي سوف يحول الأرض الزراعية إلى مساحة تقريبية تصل إلى 4000 فدان.

مشروع الري في لحج

وقد بدأت سلطنة العبدلي في مشروع الري ايضاً ويستلم هذا المشروع مساعدات فنية ومالية من الحكومة الاتحادية ولجنة لحج الزراعية للتطوير صرفت حوالي 100000 جنيه استرليني على مشروع الري منذ عام 1958م، وقد وفر مبلغ 10000 جنيه استرليني لمشروع الري الاتحادي التطويري الحالي ليساعد السلطنة المذكورة بجزء من قيمة السد الذي سيحول مياه الفيضانات وكذا الأشغال الرئيسية للري في بيزاج في الوادي الصغير والذي تقدر تكاليفها بحوالي 22000 جنيه استرليني.

أما السد المحول للمياه وضابطان لقناتين رئيسيتين فستتحكم في منطقة تبلغ مساحتها حوالي 7000 فدان.. والأعمال البنائية في المرحلة الأولى للسد التي ادمجت ضابطين للقناة اليمينية فقد انجزت، وحوالي 2000 فدان من الأرض قد سقيت بالمياه شمالي لحج خلال العام.

مشروع الواحدي للري

وفي سلطنة الواحدي في محمية عدن الشرقية توجد ممرات من الأرض ممكن تسقيتها بمياه الري بواسطة الطريقة التقليدية للري وذلك بتوزيع مياه الفيضانات، وتساعد السلطنة بإنجاز مشروع توزيع مياه الري في منطقة جول الشيخ ونقب الحجر وعزان.. ففي جول الشيخ لم تسق أراض زراعية بمياه الري لمدة أربعين عاماً ولكنها الآن تطورت زراعيا وأصبحت تصلها المياه التي أعادت الحياة فيها. وقد خصصت عشرة آلاف جنيه استرليني من مصادر مالية اتحادية لهذا العمل الجبار.

تطور المياه الأرضية

يدرس الآن برنامج شامل لاستكشاف الإمكانيات اللازمة للحفر ويكلف 180000 جنيه استرليني، وذلك للحصول على معلومات أساسية ليتمكن من استغلال مصادر المياه الأرضية في المنطقة استغلالا تاماً.

فالطرق التي اكتشفت تحفر الآن كأنها لبئر إنتاجية في أرض زراعية حتى توجد المياه ذات النوع الممتاز والكمية الكاملة وحينئذ فإن البئر سوف تستغل حالا من قبل ملاكي الأرض الذين سيدفعون نفقات المضخات والآلات ومركز الضخ وغيرها. وهكذا فإن الطرق الاستكشافية الناجحة ستوفر الفائدة العملية الملموسة للشعب في المنطقة.

والمشروع الذي يجري العمل فيه على اساس مقاولة سيوفر للحفريات والتخطيطات وفحوص الضخ حوالي ثلاثين فرقة لأبحاث تموينات المياه في اتحاد جنوب الجزيرة العربية.. ومن المتوقع أن هذا المشروع سيضع الأساس وسيكون السباق الأول إلى مشروع توسيعي في تطوير الآبار القنواتية للشعب.

مشروع أحور للري

وقد شيدت بناية ضابطة في قناة أحور الرئيسية خلال العام وذلك لضبط انسياب الماء في القناة الرئيسية حال حدوث الفيضانات ولإيقاف التآكل الذي يهدد الأرض والزراعة فقاعدة القناة الرئيسية حفرت بعمق كبير حتى أن انسياب الماء لا يستيطع ان يصل الاجزاء العليا من الدلتا كما كان الحال في السابق.. وهذا البناء هو الأول من كثير لضبط وتحسين نظام الري في دلتا أحور التي تمتد إلى مساحة 18000 فدان من الأرض المزروعة، والبناء سوف يقدم الفائدة السريعة لحوالي ألفي فدان وذلك بتحسين طرق الري.. كما انه سيحسن من الحالات العامة في القناة الرئيسية.

وقد أنجز العمل في أعمال مقاولة قدرت بـ 15000 جنيه استرليني.. هذه هي بعض المشاريع للري التي تخطط وتنفذ كجزء من برنامج الري التطويري الحالي.. فأعمال التخطيط والتنمية وتشييد الأبنية الثابتة للري كلها أعمال تحتاج إلى وقت طويل وإلى أموال طائلة ولكن الأفضلية أعطيت لها كما خصص رأس مال لهذه المشاريع وحكومة الاتحاد تدرك أهمية مشاريع الري لجنوب الجزيرة العربية».

التوسع الزراعي لمحصول القطن

عرف الجنوب العربي زراعة القطن لأول مرة في -1948 1949م بعد جلب بذوره (طويل التيلة) من السودان وكانت البداية بزراعة 100 فدان، وبعد ذلك توسعت تلك الافدنة بسرعة وبلغ عددها في عامي -1964 1965م (71000) فدان بقدر مليون ونصف مليون جنيه استرليني للمنتج، وهذه الارقام توضح مستوى الانتاج من القطن في أبين.

العام 1948 1949- م، عدد الافدنة: 100، بالة: 120.. -1949 1950م: 110 فدانات، 1587 بالة.. -1950 1951م: 7000 فدان، 9954 بالة.. -1951 1952م: 9800 فدان، 7216 بالة.. -1952 1953م: 9000 فدان، 8991 بالة.. -1953 1954م: 20000 فدان، 19299 بالة.. -1954 1955م: 21000 فدان، 19528 بالة.. -1955 1956م: 18000 فدان، 15776 بالة.. -1956 1957م: 24000 فدان،13628 بالة.. 1957 - 1958م: 25000 فدان، 14595 بالة.. -1958 1959م: 14000 فدان، 10037 بالة.. -1959 1960م: 24000 فدان، 17006 بالة..-1960 1961م: 12720 فدان، 5642 بالة.. -1961 1962م: 18500 فدان، 14250 بالة.. -1962 1963م: 33780 فدان، 21671 بالة.. -1963 1964م: 29350 فدان، 13081 بالة.. -1964 1965م: 38330 فدانا، 20425 بالة.. -1965 1966م: 43371 فدان، 9408 بالات.

الجمعيات الزراعية في الجنوب العربي

بلغ عدد جمعيات منتجي القطن عام 1967م تسعا، وكانت تقدم القروض لأعضائها والبذور ولوازم تعبئة القطن وجمعه ووزنه ووسائل نقله من المزارع إلى المحلج، وكانت أبعد منطقة يزرع فيها القطن تبعد عن المحلج بحوالي 300 ميل.

كما وجدت جمعيات تعاونية أخرى مثل جمعية المستهلكين والجمعية التعاونية لتربية الدواجن، وهذه الاحصاءات تقدم تعريفا بعدد الجمعيات وأعضائها ورأس مالها.

السنة 1960م- العدد 28 العضوية 6729 ، قيمة الاسهم بالجنيه 3040، الودائع بالجنيه 755، الاحتياطي 27725.

السنة 1961م العدد 35، العضوية 8902، قيمة الاسهم بالجنيه 3055، الودائع بالجنيه 1925 الاحتياطي 147510.

السنة 1962م العدد 39، العضوية 10088، قيمة الاسهم بالجنيه 5685، الودائع بالجنيه 3035، الاحتياطي 196835.

السنة 1963م - العدد 51، العضوية 15226، قيمة الاسهم بالجنيه 8775، الودائع بالجنيه 6120، الاحتياطي 149380.

السنة 1964م العدد 74، العضوية 22058، قيمة الاسهم بالجنيه 9870، الودائع بالجنيه 24895، الاحتياطي 218845.

السنة 1965م العدد 54، العضوية 14185، قيمة الاسهم بالجنيه 10620، الودائع بالجنيه 20180، الاحتياطي 225380.

السنة 1966م العدد 57، العضوية 14370، قيمة الاسهم بالجنيه 11565، الودائع بالجنيه 20450، الاحتياطي 233744.

وكان معدل ما سوق من المحصول الزراعي من قبل تلك الجمعيات لعام -1964 1965م (19889) طنا ومحصول البلاد كان 30324 طناً.

معدل ما سوق من القطن لهذه الأعوام:

السنة 60/ 1961م - الوزن بالرطل: 7252000، القيمة بالجنيه: 440000.. 61 /1962م: 7358000 رطل، 401000 جنيه.. 62 /1963م: 4925000 رطل، 259000 جنيه.. 63 /1964م: 7675000 رطل، 493000 جنيه.. 64 /1965م: 6630000 رطل، 391000 جنيه.. 65 /1966م: 3930000 رطل، 128000 جنيه.

أما المزروعات الغذائية في ابين فقد كانت مساحتها بالأكر عام -1961 1962م: الحبوب 8000، محاصيل بقولية 1380.

عام -1962 1963م: حبوب 10600، محاصيل بقولية2030.

مصادر الرساميل

يقول الدكتور محمد عمر الحبشي في كتابه اليمن الجنوب حول هذا الجانب: «لقد قدمت المملكة المتحدة القسم الرئيسي من الرساميل، إلا أن الدفعة الاولى وقدرها 10000 جنيه قد اقتطعت سنة 1940م من خزانة الدولة في عدن.ومنذ عام 1950م بدأت زراعة القطن المتأصلة حاليا بقوة تدر وأخذت لجنة ابين تشكل لنفسها احتياطيات لتسدد ديونها ولتتمول. وفي 30 ايلول (سبتمبر) 1952م كانت الاموال الموضوعة جانبا قد ارتفعت إلى 817000 جنيه موزعة على النحو التالي:

صندوق التنمية 324700 جنيه، صندوق القروض 287300 جنيه، صندوق تثبيت استقرار الاسعار 180000 جنيه، صندوق امتلاك الديون 25000 جنيه».