1958 عام النشأة والتأسيس ..قراءة تاريخية

«الأيام» د. أسمهان عقلان العلس:

تأسست صحيفة «الأيام» في 7 أغسطس 1958، وكان صدورها إضافة إلى قائمة الصحف الأهلية العدنية التي شهدت عدن نشأتها منذ عام 1940. والقراءة المتمعنة في الأعداد الصادرة من هذه الصحيفة خلال عامها الأول ستكشف لنا مضمون السياسة العامة للصحيفة، التي رسمتها لنفسها منذ نشأتها واختطت بموجبها نهجها العام تجاه القضايا المحلية والعربية والدولية، بل إن هذه القراءة ستفضي بنا بالتأكيد إلى قراءة في الرؤى والمعتقدات لمؤسس هذه الصحيفة محمد علي باشراحيل، تلك الرؤى والمعتقدات التي ربما لم يعلن عنها في خطوط مستقيمة، لكن السياسة العامة لهذه الصحيفة تجاه قضايا محددة بعينها بلورتها بشكل دقيق.

لقد كان العام 1958 سنة من سنوات الحرب الباردة التي نسجت العلاقة ما بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا بعد سنوات الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها بين عامي 1939- 1945. ولعل من أبرز ملامح سنوات الحرب الباردة اشتداد النشاط النووي بين قطبي العالم، واشتداد حركات التحرر العالمية المدعومة من المنظومة الاشتراكية، وثبات قوة الحركة العمالية العالمية. وعلى خلفية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948 كان الاحتفال بالذكرى العاشرة لصدوره قد صادف عام 1958 وتوافق مع نشأة صحيفة «الأيام».

والمطلع على أعداد السنة الأولى لصحيفة «الأيام» يمكنه أن يرصد بين الأعداد روح ومضمون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الداعي إلى احترام الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية بمختلف صورها، كما أفردها هذا الإعلان، ومنذ العدد الثاني لصحيفة «الأيام» الصادر في 8 اغسطس 1958 كان التركيز في كلمة رئيس التحرير مترجما لهذه الحقوق، فقد صادف وقتها انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في جلسة طارئة بشأن القوات الأمريكية والبريطانية في كل من لبنان والأردن، ومما اشتملت عليه كلمة ذلك العدد «دعوة الجمعية العمومية لاحترام حق الدول المعنية بالسلم، ووضع أماني ورغبات الشعوب في التحرر والاستقلال والرخاء في الاعتبار».

وذهبت كلمة رئيس التحرير في العدد الثالث لعام 1958 بعيدا في اعتبار «التدخل الخارجي هو أصل التوتر الذي سيقرب العالم من حافة حرب عالمية ثالثة».

ورصدت أعداد أخرى صدرت في ذلك العام نشاط الوفود العربية في الأمم المتحدة حول وجود القوات الأمريكية والبريطانية في أراضي لبنان والأردن، وتحرك الجمعية العمومية لحل هذه المشكلة، كما تابعت تحركات الكتلة الشرقية الاشتراكية وردود الفعل الأمريكية تجاه هذه القضية.

وعلى الجانب الآخر كان تأثير مضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واضحا في محتوى كلمة رئيس التحرير في الأعداد (7/ 11/ 16)، كما ظهر الاتجاه في هذه الأعداد واضحا لدى صحيفة «الأيام» في اعتبار مشكلة لبنان والأردن جزءا من أزمة الشرق الأوسط، وإيمان هذه الصحيفة بأن الحل يجب أن يكون قوميا.

ويتعزز الإيمان بمضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لدى صحيفة «الأيام» في نظرتها إلى المسألة القبرصية ونزاع الصين مع فرموزا في العام ذاته، والثورة الجزائرية وإعلان الحكومة الجزائرية المؤقتة، على قاعدة حق الإنسان في السلام والاستقلال والتحرر، كما جاء في الأعداد (5/ 16/ 18/ 21/ 27/ 36/ 38)، وامتد الحديث عن حق تقرير المصير ليشمل تأييد «الأيام» لتظاهرة (ارحلوا عن أفريقيا) التي رفع شعارها مؤتمر تضامن الشعوب الآسيوية والأفريقية في القاهرة.

أما في الشأن الإقليمي العربي فإن الاتجاه القومي لصحيفة «الأيام» ظهر جليا في أكثر من موقع، وعلى الرغم من أن هذا المقال يتتبع مضامين السياسة العامة للصحيفة من خلال كلمة رئيس التحرير، إلا أننا قد وقفنا على لقاء مع رئيس التحرير في صفحة معنونة (يسألونك) في العدد رقم (102)، عند قال: «أدين بالقومية العربية وأرى فيها الملاذ»، ووفقا لذلك كانت كلمة التحرير للأعداد (21/ 38/ 67/ 72) تعزيزا للخط القومي للصحيفة الذي تبناه رئيس تحريرها.

وامتد ارتباط الصحيفة بهذا النهج ليشمل تسخير صفحاتها لتغطية أخبار جمال عبدالناصر وخطبه المشهورة، وتبلور مفهوم القومية العربية لدى باشراحيل بشكل جلي في مضمون المواطنة العدنية في فترة الإدارة البريطانية لعدن، فقد قال في المقابلة ذاتها إنه «يرفض مفهوم الشعب العدني، فهي تسمية في غير محلها، إننا في عدن جزء من الشعب العربي الواحد، والمهاجر المقيم في عدن ليس له حق اكتساب حقوق دستورية متى ما استوفى الشروط المتعلقة بالإقامة والسلوك».

وفي الإطار المؤيد للقضايا العربية كانت الأعداد (4/ 5/ 10/ 14/ 20/ 21/ 36) سجلا وافيا للأحداث العربية التي رصدتها «الأيام» في عام تأسيسها، بل المقارنة والقياس كانت ملحوظة بين البلدان العربية المتحررة كالعراق ومصر وغيرها من الأنظمة الرجعية كالمملكة اليمنية المتوكلية، في توجه ضمني لهذه الصحيفة بتأييد تأسيس الأنظمة الوطنية المتحررة، فقد علق العدد (14) على زيارة الأمير البدر للعراق، واعتبرها هذا العدد قراءة في السياسة الخارجية للمملكة أو رؤية في استفادة البدر من كيف يدير العراق شؤونه ويطور مجتمعة ويحرر شعبه.

اختصت كلمة العدد (72) بذكرى العدوان الثلاثي على مصر معتبرة هذا العدوان «مغامرة أدت إلى الإضرار بمصالح الدول الرأسمالية، كما قضت على الخرافة السائدة بقوة الدول العظمى التي كانت تخيف بها الدول الصغرى. لقد كتب الشعب العربي في مصر لنفسه المجد والخلود، وفي عدن كان الشعب العربي هنا بكل جوارحه يعيش مع أبناء بورسعيد المناضلين، وإننا لنتذكر الأيام العصيبة واللحظات الحرجة التي عاشها شعبنا العربي في كل مكان أثناء العدوان الثلاثي، الذي لم يكن يستهدف احتلال قناة السويس المؤممة، بقدر ما كان يستهدف القضاء على السياسة العربية التحررية التي انتهجتها مصر بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر، بطل كل المعارك وباعث القومية العربية.

أما الشأن الوطني الداخلي في عدن فقد بلورته السياسة العامة لصحيفة «الأيام» بشكل واضح في صفحات السنة الأولى من عمر هذه الصحيفة لتغطية أخبار الحركة الوطنية في عدن، وإتاحة المجال أمام روادها للحديث فيها، وترجمت الصحيفة موقفها من القضية الوطنية في العدد (46) بدعوتها الوطنيين إلى «إرساء تقاليد جديدة للحركة الوطنية، إذ تحتم المرحلة الجديدة علينا أن نكون أكثر حرصا وتبصرا بالموقف الجديد، وعلى صحافتنا الوطنية والمشتغلين بالقضية الوطنية أن يتجنبوا كل ما من شأنه تفريق الصف».

وتعزيزا لعروبة عدن كانت «الأيام» في عام نشأتها واضحة في مفهوم المواطنة، فقد دعت المدارس الأهلية غير المعانة (*) من قبل الإدارة البريطانية أن تتمسك بعروبتها باعتماد اللغة العربية والدين الإسلامي في مناهجها الدراسية، والاستقلالية في سياسة توظيف مدرسيها، كما جاء في العدد (9).

أخذ مفهوم عروبة عدن بعدا آخر في السياسة العامة لصحيفة «الأيام» في كلمة العدد (70)، الذي عزز فيه رئيس التحرير مبدأ الصداقة العربية الهندية بمناسبة زيارة رئيس المؤتمر الهندي في أكتوبر 28 من عام 1958 بقوله: «إننا نتمنى اطراد الصداقة العربية الهندية، ونقترح على الجمعية الهندية في عدن إن تعزز ذلك بما يحفظ لعدن عروبتها وسيادتها، ويكفل للهنود المستوطنين حقوقهم ومصالحهم».

أما الموقف من قضايا المرأة فقد عززته السياسة العامة لصحيفة «الأيام» منذ عام نشأتها باتجاهين: الأول اعتماد ركن خاص بشؤون المرأة منذ عام 1958، وقد قامت بتحريره نفيسة عبدالله صالح، والاتجاه الثاني المؤيد لقضايا المرأة ودعمها، وفتح المجال للنقاشات الساخنة حول القضايا المحورية للمرأة، ومنها ما جاء في العدد (87) حول السفور والحجاب، أو حديث رئيس التحرير حول مشاركة المرأة في الانتخابات، وعلى قاعدة التأييد لحقوق المرأة كان لصحيفة «الأيام» السبق والمبادرة في فتح صفحاتها أمام رضية إحسان الله لتتولى الإشراف على صفحة خاصة بقضايا المرأة تحت مسمى (سوانح وخواطر).

* المدارس غير المعانة: هي نماذج من المدارس الأهلية التي لم تكن تحصل على الدعم المادي من الإدارة البريطانية لعدن، وفقا لنظام الإعانة المالية للمدارس المعتمد في عدن منذ عام 1893.