القتل والاختطافات القسرية أبرز أساليب الحوثي تجاه أبناء الحديدة

تقرير خاص

جانب من القلعة التاريخة بالحديدة
 سلِمت محافظة الحديدة في 2011م من الانتفاضة ضد الرئيس الهلك علي عبدالله صالح وعصابته، بعكس صنعاء وتعز وغيرها من المدن المنتفضة، غير أنها الأكثر تعرضاً لسياسة التجويع والنهب لخيراتها.
وعلى الرغم من أنها تمتلك ثاني ميناء رئيسي في البلاد وثروة سمكية وحيوانية وغيرها الكثير إلا أن أبناءها يعانون من الفقر المدقع والجوع والأمراض.

ومارس صالح وأتباعه خلال فترة حكمه سياسية التجويع واستغل وضعهم المعيشي في حملاته الانتخابية خدمة لمصلحته، وهو ما جعله يحصد أغلبية الأصوات فيها بل الأولى من بين محافظات البلاد.
ولم يكتفِ المخلوع وأنصاره بتجويع أبناء تهامة والمحافظة بل لجأوا للسطو على أغلب أراضيها ومزارعها، وهو ما تكشفه للعيان أسوارها التي نُحت عليها اسم المسؤول الناهب.

ثروات وفيرة وجوع مدقع 
يشكل عدد سكان المحافظة 11 % من إجمالي عدد سكان الجمهورية، يُعاني أغلبهم من الفقر المدقع رغم أنها تضج بالثروات المتعددة.


وتُعد الزراعة النشاط الرئيس لسكان الحديدة، حيث تحتل المركز الأول بين محافظات البلاد في إنتاج بعض المحاصيل الزراعية، بنسبة تصل إلى 28 % من إجمالي الإنتاج المحلي، ومن أهم المحاصيل الزراعية فيها: الخضروات، والفواكه، والأعلاف، فضلاً عن نشاط الاصطياد السمكي، نتيجة لتمتع المحافظة بشريط ساحلي طويل غني بالأسماك والأحياء البحرية كماً ونوعًا، وهي الثروة الأخرى التي حُرم منها المواطنون كغيرها من الخيرات الواقعة تحت نهب النافذين.
ليصبح أبناء هذه المدينة الغنية يموتون جوعًا ومرضًا وضياعًا، لا يجدون ما يسدون به جوعهم.

هيمنة الفساد
سلمى سالم طالبة في الصف التاسع، تسأل والدتها لماذا نحن جياع وأنا أقرأ في الكتب أن الحديدة فيها أسماك وخضروات وميناء؟ تُرى من سيجيب سلمى؟ ومن سيجيب عن سبب وفاة الطفلة هند ابنة هذه المحافظة الغنية؟
والمؤسف أن تموت هند ومحافظتها مليئة أيضاً بالمنشآت الصناعية والتي يأتي في مقدمتها مصنع أسمنت “باجل” والذي يُعد من أهم مصانع في البلاد، فضلاً عن بعض الصناعات الغذائية والمشروبات الغازية، والمعادن الموجودة في باطنها: كالجرانيت، الرمال السوداء، الأصباغ، السيراميك، الملح الصخري، الجبس، وبعض المعادن الطينية الأخرى، بالإضافة إلى معالمها السياحة المتنوعة لاسيما التاريخية منها والتي من أهمها الآثار الإسلامية في مدينة زبيد التاريخية، كالجامع الكبير، وجامع الأشاعر في مدينة بيت الفقيه ومدينة الخوخة الساحلية، والسخنة الطبيعي.

وعلى الرغم من كل ما تمتلكه هذه المدينة من ثروات هائلة ومتنوعة إلا أن أطفالها يموتون جوعا، واعتبرتها منظمة الغذاء العالمي من أشد المناطق فقرا، والسبب أن هذه الثروات والخيرات الوفيرة وقعت تحت سيطرة أرباب الفساد، الذين حولوها إلى محافظة منهوبة ومنكوبة على حدٍ سواء.

الحرب والموت جوعا
وتزايدت معاناة أهالي المحافظة مرارة بعد أن أصبحت ساحة حرب إثر سيطرة قوات الحوثي الانقلابية عليها، وعلى مينائها ومصادرة كل المساعدات الإنسانية القادمة عبره من قبل المنظمات الدولية المعنية.
كما أدت الحرب التي لم تشهدها المدينة في تاريخها وما نتج عنها أزمات اقتصادية من تأزيم حالة أبناء المحافظة المعيشية وجعلتهم على حافة مجاعة حتمية.


تقول عفاف صالح لـ«الأيام» أصبح الوضع المعيشي مزريا للغاية، والتجار يتلاعبون بالأسعار لغياب دور الرقابة عليهم من قبل الجهات المعنية، وبين هذا وذلك حُوصِر المواطن وأضحى يُعاني صعوبة بالغة في توفير لقمة العيش”.
 
انتشار الأمراض
وتسبب وباء الكوليرا الذي اجتاح مديرية الزيدية في المحافظة بوفاة أكثر من 20 شخصاً، وعجزت المنظمات الإنسانية من محاصرة وإيجاد حلول لهذا الوباء التي انتشر في عموم البلاد، إلى جانب أمراض حمى الضنك والدفتيريا والملاريا.

وساهم ارتفاع دراجة الحرارة صيفًا من تفشي هذه الأمراض في أوساط سكان المدينة الذين باتوا عرضة للبعوض الناقل لهذه الأمراض الفيروسية نتيجة لافتراشهم أسطح منازلهم وأفنائها وأرصفة الشوارع هربًا من الحر والانقطاع المستمر للتيار للكهربائي.


وجعل الفقر المدقع الكثيرين عاجزين عن التداوي لارتفاع أسعار الأدوية وتدهور الحالة المادية.

الطفلة عائشة (10 أعوام) أصيبت بحمى الضنك، وعجز والداها الذي يعمل في صندوق النظافة والتحسين، عن علاجها لتوقف راتبه من عامين.
يقول والدها لـ«الأيام»: “كان راتبي يلبي حاجيات الأسرة من مأكل وملبس ودواء وغيره، ولكن بعد انقطاعه أصبحت عاجزاً عن توفير أبسط متطلبات المعيشة، ولولا تكفل فاعل خير بعلاج ابنتي لماتت أمام عيني”.

دمار وألغام
وخلّفت الحرب التي شهدتها المحافظة وما زالت دماراً كبيراً في البنية التحتية والمنشآت، منها كلية الطب ذات المبنى الحديث الذي لم يتجاوز عمره الثلاثة أعوام، وجامعة الحديدة التي حولتها قوات الحوثي الانقلابية إلى ثكنة عسكرية، ولم يبقَ من مبنى هيئة تطوير تهامة إلا القليل، كما نال المطار نصيبه وما يزال من الضربات الجوية والقصف الحوثي، ولم يبقَ من الكلية البحرية إلا حائطها، فضلاً عن تلغيم الانقلابيين لأغلب الشوارع المؤدية إلى الميناء، خصوصا الكورنيش وشارع الخمسين وبعض الأحياء والحارات وفي مقدمتها حارة اليمن، وبناء السواتر الترابية والحديدية فيها وكذا تخريبها بالحفريات التي تسببت بكسر مواسير المياه وحرمان الأهالي بعدة أحياء وشوارع من الخدمة، ولجأ الحوثيون لهذا لتخريب بهدف إعاقة تقدم قوات الجيش نحو المدينة، الأمر الذي أُجبرت على إثره أكثر من 17 ألف أسرة على النزوح بحثاً عن أمن واستقرار.

 

سجون وانتهاكات
وحول الحوثيون القلعة التاريخية في الحديدة إلى سجن لأبنائها، معظمهم تم اعتقالهم من أمام منازلهم بذرائع واهية، ولا يسمح لأهاليهم بزيارتهم إلا فيما ندر.
تقول شقيقة أحد المعتقلين لـ«الأيام» في سردها لقصة اعتقاله: “اعتُقل أخي في الوقت الذي كان فيه (مخزّن) مع أصحابه على الرصيف بجانب المنزل ككل يوم من قبل أفراد قدموا على متن طقم عسكري حوثي بمعية أصحابه، ولم نعرف في حينها إلى أين اقتادوهم وبعد بحث طويل أوضح لنا حراس القلعة بأنه مسجون لديهم ولكنهم لم يسمحوا لنا بزيارته”.

هذا الشاب ليس وحده مسجونا ظلمًا من قِبل الانقلابيين بل إن هناك الكثيرين، فهذه امرأة تبكي على زوجها الذي تم اختطافه من أمام أطفاله، تقول زوجته لـ«الأيام»: “طلب مني زوجي أن أحضر له شاي في لوقت الذي كان ينظف فيه دراجته النارية (الموتور) بعد الغداء مباشرة، ليذهب للعمل وقبل أن أخرج إليه سمعت أطفالي يصرخون (بابا بابا) لأتفاجأ بأفراد قدموا على متن طقم للحوثيين وهم يقتادونه وإلى الآن لم نعرف عنه شيئاً وأبنائي سيموتون جوعًا، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل”.


الشاب أمين هو الآخر تم اعتقاله ولم يعرف عنه سوى أنه كان مسجوناً في مبنى الأمن السياسي قبل نقله إلى صنعاء.
يقول صديقه لـ«الأيام»: “إن والدته باعت كل مجوهراتها وأراضيها لأجل إخراجه ولكن دون جدوى، كما حاولت الذهاب إلى صنعاء بهدف مقابلته ولكن قُوبل طلبها بالرفض من الحوثيين”.

وبحسب صديقه “فقد تم اعتقال أمين بعد يوم واحد من حديثه عن الأوضاع في البلاد وأطراف الحرب فيها أثناء عودته بمعية زملاء له من الجامعة على متن باص”.
وطالت الانتهاكات الجسيمة للحوثيين المدنيين، والصحافيين، وأئمة المساجد، وما تزال الملاحقة والمطارة مستمرة لمن تبقى منهم في المحافظة.​