«قلب الطاولة».. استراتيجية الانتقالي لفرض إرادة الجنوبيين قبل مشاورات لندن

تقرير/ وهيب الحاجب

جمْع الحوثيين والشرعية للحوار في فندق واحد.. ما حققه بن عمر عجز عنه جريفيثس

​ توجهات المجلس الانتقالي إلى «قلب الطاولة» في حال تجاهلت الأمم المتحدة الجنوب من العملية السياسية والمشاورات القادمة لا تشير إلى قناعة جنوبية بتحقيق تطلعات شعبها عبر مشاورات بين جماعة الحوثي والشرعية اليمنية، بقدر ما هي رسالة سياسية تبين حجم الجنوب وإمكاناته السياسية والعسكرية في تغيير الواقع وفرض الإرادة الشعبية في الجنوب بعيدا عن رغبات الشرعية وحسابات المبعوث الأممي.

تعثر مفاوضات السادس من سبتمبر الفائت دفع المبعوث الأممي مارتن جريفيثس لحرف البوصلة من جنيف إلى عاصمة اوروبية جديدة تشير مصادر دبلوماسية عربية إنها (لندن) في مسعى لإطلاق مفاوضات جديدة من المرجح أن تبدأ مطلع نوفمبر القادم.
جريفيثس اعتمد هذه المرة على تغيير وتجديد في المكان والزمان لا في طبيعة المفاوضات والأطراف المشاركة فيها وجوهر القضايا المحورية والثانوية التي ستُطرح على الطاولة، وبالتالي لا جديد سيأتي به الرجل غير إطالة الأزمة وتمديد عمر الجماعة الحوثية التي تتخذ من فترات التحضير واتفاقات بناء الثقة «استراحة محارب» لترتيب صفوفها وإعادة تموضعها في الجبهات ومناطق سيطرتها.

الحديث عن إشراك قوى جديدة في المفاوضات من قبيل المجلس الانتقالي وأنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح، كلام مستهلك، وقاله جريفيثس مرارا قبل وأثناء التحضير لمشاورات جنيف المتعثرة. وإعادة اللعب على هذا الوتر الآن هو من باب التطمينات للقوى والجهات التي يعتقد جريفيثس أنها ربما ستعيق إطلاق المفاوضات.. لهذا، فالمبعوث الأممي يركز بدرجة أساسية على جلب الحوثيين إلى المشاورات ولو تطلب الأمر القبول بشروطهم وإملاءاتهم، أما باقي الأطراف فهي في نظر جريفيثس هامشية، وبمثابة «المحلل» لمحادثات ستبين مخرجاتها حجم بقية الأطراف التي يعتبرها المبعوث الأممي الآن مجرد مكملة لا فاعلة وشريكة في المستقبل السياسي لليمنين، الشمالي والجنوبي.. بمعنى أن الانتقالي - ومن خلفه إرادة شعب الجنوب - لن يقبل بأية تسوية أو حلول لا تعترف به ولا تعالج قضيته بشكل كلي يرتقي إلى حجم الجنوب وطبيعة الواقع والمتغيرات التي فرضتها قوى الجنوب عبر مراحلها المختلفة منذ ما بعد الاجتياج العسكري الأول العام 94م حتى اليوم.

من الطبيعي ووفقا لمناهج البحث في علوم السياسة، فإن المبعوث الأممي سيعمل - من أجل النجاح في جمع الأطراف اليمنية إلى لندن - على معالجة (الأخطاء) التي حالت دون إطلاق «جنيف3»، وسيعيد منهجه وتهذيب سلوكه الدبلوماسي في التعامل مع طرفي الأزمة بما يمكنه من تجاوز أسباب التعثر.. فالرجل الذي قال عقب فشل محادثات جنيف إن عدم تهيئة الظروف المناسبة لحضور الحوثيين كان سببا لتعثر المحادثات قبل بدئها، سيهيئ هذه المرة «ظروفا مناسبة» لإحضار الجماعة الحوثية، وهي ظروف تنطلق أساسا من شروط مسبقة يطرحها الحوثيون، منها المعلنة ومنها ما هو متفق عليه مع الشرعية ومع جماعة الإخوان المسلمين ومتحفظ عليه، بمعنى أن الأطراف الأخرى ومنها المجلس الانتقالي الجنوبي لم تكن سببا في إفشال جنيف، فالقضية الجنوبية استُبعدت من المحادثات بشرط مسبق اتفق عليه الحوثيون والشرعية اليمنية، ويبدو أن المبعوث الأممي قَبِله واستمر في جهوده لإيجاد تسوية دون الجنوب، وقال بالتالي إن مطالب شعب الجنوب بـ «الانفصال» ستُناقش في حوار داخلي يمني عقب محادثات الأمم المتحدة.

 كل هذه المعطيات تؤكد أن مبعوث الأمم المتحدة سيعمل على إرضاء الحوثيين لإقناعهم بالذهاب إلى مشاورات لندن، وتشير إلى أن تصريحاته الأخيرة بشأن إشراك المجلس الانتقالي وقوى جديدة لا تختلف عن أطروحاته السابقة قبل جنيف التي أكد فيها على ضرورة الاستماع لـ «أصوات الجنوبيين» وأن «لا تسوية بدون حل قضية الجنوب».

عقب فشل جنيف اتجهت التكهنات نحو ترجيح الحسم العسكري وتكثيف العمليات الحربية في الساحل الغربي وعلى تخوم مدينة الحديدة، لكن أسابيع من المعارك لم تحسم الأمر ولم تسقط المدينة، وبقي الحوثيون رقما صعبا في المعادلة ببعديها، السياسي والعسكري، فعلق التحالف عملياته أكثر من مرة- رغم التصريحات الخليجية والقرار الذي اتخذ بضرورة الحسم العسكري- ولأبعاد سياسية مغلّفة بذرائع وحجج إنسانية تلعب عليها قوى دولية كبرى لا تستسيغ الحسم العسكري ولا تريد لجماعة الحوثي أن تُهزم عسكريا.. وهو بالتالي ما يعزز موقف الحوثيين ويجعل من فشل الحسم ورقة بيد الجماعة للتمسك بشروطها من أجل القبول بالمحادثات وفرض إملاءاتها في طبيعة التسوية الأممية المأمولة.

في أكثر الأحول وفي حال نجاح المبعوث الأممي بإعادة جمع طرفي الصراع (الشرعية والحوثيين) سيتمكن الرجل من عقد عدة جلسات لحوار شكلي غير مباشر من فندق إلى آخر بعد أن كان الطرفان يتحاوران في صنعاء داخل فندق واحد؛ وهو بحد ذاته تراجع وفشل.

ووفقا لمصادر سياسية، فإن عجز الشرعية عن تحقيق أي نصر عسكري على الأرض وتزايد الاحتجاجات الشعبية ضد الحوثيين ورغبات متعددة لدول التحالف العربي قد تتوصل المشاورات إلى «اتفاق» تهدئة يعلق العمليات العسكرية لفترة دون التوافق على تسوية سياسية تنهي الحرب وتضع حدا للاحتقان السياسي بين القوى اليمنية المتصارعة ودون حلحلة القضايا الأساسية وفي مقدمتها قضية الجنوب ومطالب الجنوبيين بالانفصال والعودة إلى ما قبل العام 1990م، وهو ما يعني إبقاء باب الصراع ومقومات الحرب مفتوحة على أكثر من جغرافيا، لاسيما ما يتعلق بمستقبل الجنوب والمجلس الانتقالي الذي بات اللاعب الأكبر سياسيا وعسكريا في ميزان القوى المتصارعة في الجنوب والشمال.

السعي والتخطيط السليم لـ «قلب الطاولة» وتهيئة وضع المحافظات والمؤسسات سيبقى هو الورقة الأقوى بيد المجلس الانتقالي لفرض إرادته السياسية وتحقيق تطلعات الشعب وإجبار الشرعية اليمنية والحوثيين والتحالف العربي على الاعتراف به والتعاطي معه كقوة على الأرض مستقلة دون ارتباطات تنتقص من الإرادة الشعبية الجنوبية التي فوّضت الانتقالي وعهدت له حمل مشروعها الوطني بكل وضوح.. فهل ستُقلب الطاولة قبل مشاورات لندن أم بعدها؟!