ترف المسؤول.. هل هو قانوني أم نصب؟

جمال مسعود

في كل دول العالم وضعت الحكومات نظاما إداريا وماليا، وقانونا للوظيفة العامة من أسفل السلم الوظيفي إلى أعلاه، نظام لا يختل، السائق والوزير في القانون كل في درجته ووظيفته، فاذا اختل هذا النظام بسبب تصرف ما من قبل أحدهم لم يعفه القانون من المحاسبة والعقاب سواء أكان السائق أم الوزير، فترف المسؤول وفقر الموظف في الخدمة هل هو قانون أم نصب؟.. إن كان قانونا فلِمَ لم يعدل؟ أما إن كان نصبا فلِمَ لم يعاقب النصاب؟!

طبعا ليس هناك تعميم ولا ينطبق كل ما نقوله على الجميع.. فهناك حالات في الغنى والفقر ليست طبيعية ولا مكتسبة من مدخل الربح في التجارة ولا في الورث من الأسرة ولا حتى من اليانصيب والحظ، فكما قيل «عجبا لمن يطلب الغنى ولم يؤت أسبابه!»، لأن أسباب الغنى اجتماعية واقتصادية فلا يحق لأحد أن يصير غنيا في يوم من الأيام بمجرد ترقيته إلى منصب إداري رفيع فخلال سنة أو سنتين يصبح واحدا ممن يملكون العقارات والسيارات والاستثمارات! إذن، كيف صار المسؤول غنيا؟ وما هي الأبواب المتاحة والتراخيص المستباحة والتسهيلات التي تجعل من المنصب القيادي في السلك المدني أو العسكري منفذا لتحويل الفقير إلى غني وهو لم يؤت أحد أسباب الغنى؟! وهل هناك تشريع وظيفي يخول المسؤول بالتصرف بالمال الحكومي لصالحه؟.. إذن كيف صار المسؤول غنيا؟!!.

 الصلاحيات المتاحة للمسؤول وغياب الدور الرقابي والتفتيش المفاجئ والتهرب من تقديم شهادة حصر مصادر الدخل للمعين مديرا أو وكيلا أو قائدا عسكريا أو أقل أو أعلى منصب، بالإضافة إلى الارتباط المشبوه وغير المقبول بين المسؤول والخزينة وتعدد أبواب الصرف المالي والمسميات المائعة للصرف والتي تعتبر مدخلا مقننا للنفاذ إلى داخل المال العام والعبث به وحرية الصرف، كل ذلك بالضرورة أن يحول المسؤول خلال فترة بسيطة إلى غني وتاجر كبير.

فالشراكة للمسؤول بكل صرف تشبه حصة الفقير غير الوارث الذي حضر القسمة للميراث فنال نصيبا من الميراث من أصحاب الأنصبة رزقا حلالا، فهل المسؤول فقير ومن ذوي القربى حتى ينال نصيبا من المال العام لكل سند صرف؟.. حتى أن أحدهم سجل اسمه في دورة تدريبية للقابلات ليحصل على مصاريف الدورة، وبالمقابل تغلق الأبواب القانونية والإجراءات الإدارية في وجه الموظف البسيط الذي ينطبق عليه النظام والقانون فيكتم أنفاسه، لا يجد بابا مفتوحا أمامه مثل المسؤول الذي لا يغلق في وجهه باب أبدا حتى الأبواب المستعصية تتكفل الشؤون القانونية بحفر نفق للمسؤول في اللائحة يمر من خلاله أمر الصرف أو سند القبض، أما الموظف البسيط فتقبض روحه قبل أن يقبض الشيك بأمر الصرف لمستحقات تاريخية أكل الدهر عليها وشرب.

هل هناك مسؤول له قضية ومطالب خاصة به لم يحصل عليها؟ هل هناك متظلم منهم اعتصم أمام باب وزارة أو مكتب يحتج على معاملة خاصة به لم تستكمل؟ لا أعتقد أن الظلم شمل فئة المسؤولين لأنهم لا يعجزون عن شيء، يأكلون ويُولِمون في أي وقت ويستضيفون أي شخص يريدون مجاملة أو مكالمة، لا قلق ولا خوف من خلو الجيب، فمبدأهم «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، وطلباتهم مجابة والتسهيلات أمامهم ميسرة حتى إذا ضاق خرج من بيته أو بلده، وحيث ما يريد أن يذهب لا حرج ولا انزعاج، اختر البلد واتصل بالحجز وانطلق إلى المطار واسحب من مال الشعب بقدر ما تريد واترك لأهلك من مال الشعب أكثر مما يريدون،  فالمال مالك ومال أبيك أيها المسؤول الفاسد، كُل أموال الشعب.

 ذكر بعضهم أن صرفيات أحد المسؤولين خلال عام خارج البند فاقت رواتب الموظفين الشهري في المرفق المسئول عنه، ولا رقيب ولا حسيب، اصرف أنت والحسنة بعشر أمثالها، فالمسؤول حسنة وهبة للموظفين، فيدور المنصب والمال بينهم وينفذ، والميزانية لا تسمح والقانون لا يحمي المغفلين.   ​